10. نقاط وأوسمة ومراكز
معضلة التلعيب... مراجعة تطبيق نديم
قد شاع أن باب النجار مخلوع، وأنا أرى أن جوال المطوِّر مملوء، إذ أحب تجربة التطبيقات الجديدة، لا سيما ما كان في الإدارة والتنظيم، فعندي تطبيق لا أستغني عنه في إدارة الوقت، وتطبيق لإدارة المال، وجربت في الفترة الماضية تطبيقًا لإدارة المزاج! حتى وصلت لتجربة تطبيق في إدارة خزانة الملابس!
وأعرف من الصحاب والزملاء المطورين الزاهدَ في التطبيقات، بل ربما وجدت فيهم من لا يستعمل تطبيقًا بناه بنفسه! وحماسي لتجربة التطبيقات الجديدة متجاوز لحاجتي لها، فأنا أجد فيها فرصة للتعلم والاستلهام تفيدني في عملي مهندسًا للبرمجيات، وفرصة للسرقة سرقة الفنانين 🙂
الخيبة الأولى
وحين أتاني خبر اعتزام نديم على بناء تطبيق للقراء من القراء، سُرِرت واستبشرتُ، فأنا من الندامى القدامى، صحِبتُهم سنين وانتفعت بهم كثيرًا، لكنني حين نزلتُ النسخة الأولية من التطبيق، لم أجد شيئًا لتجربته فقد كان التطبيق خاويًا، ما عدا ميزة أو ميزتين، وفوجئت من غياب أشياء توقعت وجودها من البداية، فما كان مني إلا أن حذفتُ التطبيق…
استئناف التجربة
ثم فاء فريق المنتج بنسخة جديدة قبل شهرين، عفَتْ على آثار الخيبة الأولى، وبشرتْ بانطلاقة جديدة تضاهي الآمال والتوقعات…
وكنت في هذه المرة مستعملًا جادًا للتطبيق، جبرًا للخاطر ودعمًا للتجديد وتوخيًا للتهديد!
ووصلت اليوم في المداومة إلى 60 يومًا متواصلًا، ووصل معها سأَمي إلى غايته، فقد كان التطبيق هدفُه تكوين عادة القراءة وتعزيزها لدى منتفعيه، لكنني أراني كرهت القراءة ولم أخرج منه إلا بعادة استعمال التطبيق!
وأنا أدري من أول يوم أن التطبيق لا يستهدفني، فهو موجه للمبتدئين في القراءة والشادين لحبها والساعين لأن يكونوا قراء جادين، وأنا كذلك من قبل أن يُصنَع التطبيق، فلم يزدني شيئًا، وأقولها آسفًا أنه نقصني، ومن يلام؟ أو لماذا استمررت في استعماله حتى صرت من أعلى المستعملين استمرارًا منذ إطلاقه؟
الثاني
فوق ما ذكرت أسبابًا أهمها العناد! فقد بُلِيتُ بقارئ أعياني أسابيع طويلة بثباته على المركز الأول، فظللت أطارد طمعًا في نيله، حتى يئستُ غيرَ مذموم، ورأيتُ أنني لو أكملت يومًا بعد يوم حتى أصل للأول فقد آجم من القراءة وأفارقها غير معقِّب، فأكون كمن خسر الغاية في رحلته لهدف لا معنى له حقًا، وعاودني تساؤلي الأول: أقدَري دائمًا أن أكون الثاني؟
وإذ حللتُ منزلًا تساورني فيه الهواجس وتعاودني فيه الحيرة القاضة للمضجع، فأولى بي أن أتوقف، على أنّ حيلةً ماكرة نفذت إليّ غرّتني لحظاتٍ ثم أصدرتُها مبعِدًا، والحيلة كانت أن ألغي صداقتي بهذا القارئ النهِم، فيكون المركز الأول لي حصرًا ومغنمًا، لكنني لم أرضَ على نفسي الفوز بالمنافسة بعرقلة المنافسين…
التلعيب
والتطبيق يعتمد بضعة أساليب من مذهب التلعيب، لكنه اختار أقلها أثرًا، والتلعيب: استعمال أساليب الألعاب وتراكيبها في غير الألعاب من جوانب الحياة، كالتجارة والصناعة والصحة وتطوير النفس، لتحقيق أهداف منشودة.
والتلعيب شجرة راسخة ثابتة فروعُها وأوراقُها الظاهرةُ ما شاع مثل النقاط والأوسمة والمراكز، وجذورها أعمق من ذلك بكثير.
وما من كيان تجاري إلا وجدته يستعمل ظاهرها أو جذورها أو هما معًا، فترى برامج الولاء التي تمنح نقاطًا على عمليات الشراء، أو تنمّي جمهورها بحضّ المستفيدين الحاليين على دعوة غيرهم، على أن ينالوا هم وينال من يدعون نقاطًا أو مكافأة.
المداومة
وفي تطبيق نديم ميزة المداومة، وهي شعلة تحفظ جذوتها وأصل نارها بالاستمرار في إشعالها يومًا بعد يوم، وتخمد بتركها ولو يومًا، وقد أبقيتها مشتعلة ستين يومًا حتى كادت تحرق ثيابي وتوجع إهابي، ولم أصطلِ بدفئها ولا انتفعت بضوئها. وقلت في نفسي: إلى متى؟ وما الغاية؟
ما معنى أن أستمر مئة يوم أو ألف يوم؟ أنني قارئ نهم أو جاد؟!
وهل الجدية والنهم في أن أقرأ كل يوم؟
أنا أخالف فريق التطبيق في تعريف المداومة، فإن المداومة عندي أن تكون القراءة جزءًا أصيلًا في حياة الإنسان، سواء قرأ كل يوم أو كل جمعة أو بضعة أيام في الأسبوع، طالما أن القراءة أساس في حياته، وطالما أنه يرتقي بها.
لذلك مللت من القراءة كل يوم، لأن هدفي القرائي أسبوعي لا يومي، فقد أنجزه بالقراءة كل يوم، وقد أتمه بالقراءة ليلةً أو ليلتين وأنصرف عن المطالعة في غيرها.
وأمر آخر، وهو أن مفاضلة القراءة بهذه المداومة الساذجة مجحف ومضلل، فكم من قارئ يقرأ بالحد الأدنى المقرر وهو خمس عشرة دقيقة، وغيره وِردُه ساعة أو نصف ساعة.
وأمر آخر، وهو تفاوت القراء في مقادير الأوراد، فمنهم من يقرأ في المرة وريقات، وغيره يكمل فصولًا طوالًا.
وأمر آخر، وهو تفاوت المقروءات، فهل يستوي كتاب ثقيل جاد وأقصوصة خفيفة ضحلة؟!
وأمر آخر، وهو الإحباط الناتج عن انكسار السلسلة، فلا أراني كنت لأعاود استعمال التطبيق لو كُسِرت سلسلتي وأنا أرى مشقة العودة لما كنت عليه، لذا فإن ديوان الصدارة القائم على الترتيب دون تقييد الزمان باعث على النفور، وكان ينبغي أن يصفّر العد في الديوان مرة كل شهر مثلًا، فيكون لمن فاتتهم المنافسة فرصة للمعاودة.
وأمر آخر أهم مما مضى من أمور،
هل من فائدة حقيقية من وجود ميزة المداومة بنهجها الحالي؟
بالنسبة لي إن أغضيتُ عن العناد، فلا أجد فيها حافزًا على تعريز عادة القراءة، لأنها فردية غايتها المنافسة، والحماس فيها يضعف تدريجيًا.
وفي تطبيق سنابشات ميزة الستريك، كما يعرف معظمكم ولست منكم، وهو يخالف تطبيق نديم في أن سلسلته زوجية، تعتمد في استمرارها على التشارك، لذلك لا تعجب إن رأيت ثنائيًا يكملان مئات الأيام تواليًا، لأن السلسلة فيه علامة على الود دامت بالتعاون، وهي في نديم منافسة محضة، والتعاون أقوى من التنافس وأبقى، وعليه يحث علماء التلعيب ومنظِّروه.
الجوائز والأوسمة
ثم نأتي على ثالث الثلاثة، الجائزة والوسام…
وقد استُعمِلتْ في تطبيق نديم في فعالية أريكة وكتاب، فأنت تنال وسامًا كلما تجاوزت مرحلة في المنافسة، كتابًا وبضعة كتب، والوسام الأكبر إن أكملت التحدي بقراءة عشرة كتب في عشرة أيام.
والفعالية تنشيطية تناقض جوهر التطبيق وأساسه، فإنها للقراء الجادين النهمين، والتطبيق للشداة المبتدئين، ولذلك قام على ميزة التركيز، وما إن تغلق شاشة جوالك حتى يتلاشى أثر التطبيق، ولا تعرف أين وصلت حتى ترجع إليه، دون وجود مؤشر أو تنبيه لا يضطرك إلى ذلك، ودون أن يمنعك من استعمال غيره.
وهذي صورة من الإشعار الدائم في تطبيقي المفضل إذا شرعتُ في العمل على شيء:
وإنما شاركت في الفعالية لأسترق النظر، فأنا لا أتحمس لمثل هذا النمط من المنافسات، فإن القراء يحتالون عليها بقراءة ما قلّ سُمكه وقصر عدد صفحاته، لذلك ترى من يتمّ التحدي في ليالٍ معدودة.
وما كدت أستفيد من هذا الاستراق، لأنني لم أستطع الوصول إلى صفحات القراء المشاركين ومكتباتهم، وإنما قصرتني التجربة المصمَّمة على أن أرى أسماء المشاركين فلم أستطع وصالهم. وفي نفسي شك من أثر الوسام، فإن دفع إلى الاستعمال يومًا، فلا أراه يشجع على الاستمرار.
الأناقة
وجائزة أخرى، وهي ما تحوزه من نبات وزهر تختارها إن أكملت قراءة كتاب، وهي توضع بأُصُصِها بجوار الكتب على الأرفف زينةً، وهي على حُسنها لا يقدم عندي ولا يؤخر بقاؤها أو زوالها.
وحتى لا يكون كلامي كمن بيده معول ينقض به أساس البناء حجرًا حجرًا، فإن التطبيق قد ملأ عيني بتفننه في الإخراج والتصميم، وما تكاد تستعمله دقائق حتى يقبح في عينيك غدريدز فوق رداءته وقبحه. وأعلَمُ الناس بجودة الشيء المشتغلون به والمتخصصون فيه، وتطبيقٌ شاشاته بهذه الجودة والأناقة يغري بالاهتمام به واستعماله، وأنا مطور تطبيقات أعلم ما يكابده المطورون للوصول إلى هذه المنزلة من الإتقان الفني.
تجربة الاستخدام
لكن، ما يبقي المستخدمين ويديم بقاءهم ليس واجهات التصميم بل تجربة الاستخدام، وما يحويه من ميزات قلّت أم كثرت، لأن الغاية تحقيق المنفعة لا المكاثرة.
التواصل
وأكثر ما أحبطني غياب التواصل، فأقصى ما أقدر عليه أن أبحث عن المستخدمين بأسمائهم أو معرّفاتهم، وأطلب مصادقتهم، فإن قبلوا صُحبتي، قدرت أن أرى خزانات كتبهم، وعرفت قليلًا، ورأيتهم ينافسونني على ديوان الصدارة، هذا فحسب.
لا أعرف ماذا يقرؤون، ولا أرى قوائم كتبهم، ولا أدري شيئًا عن تحديثاتهم، كأنني وحيد مفرد.
قد يقال إن في شاشة الأصدقاء قسمًا لمقرؤواتهم، لكن الحق أنه بشكله هذا لا معنى له، كأنما وُضِع ليملأ فراغًا في الشاشة، فما يفيدني أن تسرد لي مقرؤوات الأصدقاء مجردة من سياقها؟!
كما أن نفاسة الهدية من مكانة مهديها، فمكانة التوصية تصريحًا أو تضمينًا من منزلة القارئ، فكتاب يقرؤه صديق من الأساتذة غير كتاب يقرؤه صديق من الناشئة، لذلك فأقل القليل أن يوضع اسم القارئ مع اسم الكتاب.
وعجيب هذا الاتساق في تصميم الواجهات مع الاختلال في التجربة، إن الشيء الواحد بشكله الموحد تراه في شاشات مختلفة فتتوقع أن ينتج عن التفاعل معه نفس الاستجابة، لكنك تدهش من اختلافها.
إن بحثت مثلًا عن مستخدم لتصادقه، فلن تقدر على رؤية حسابه ومكتبته بالنقر على صورته، لكنك تستطيع ذلك من قائمة الأصدقاء ومن ديوان الصدارة.
ومن الاختلال في التجربة أن هدف القراءة شيء، وما يظهر لك في عداد التركيز شيء آخر،
فهي الإعدادات: 15، 20، 30 دقيقة،
وفي العداد: 15، 30، 45، ومضاعفات خمسة عشر،
ولا ارتباط بينهما، ولا علاقة للثاني بتغيير الأول.
الوجهة
ثم آتي للتساؤل الأهم: هل التطبيق غايته الحث على التركيز أم أن يكون ديوانًا ومجلسًا للقراءة والقراء؟
هذا تساؤل يتفرع عنه أشياء كثيرة، فإن كانت غايته التركيز وحده فيبقى على ما هو عليه،
وإن كانت الغاية أن يكون مثابةً للقراء ومرجعًا يغنيهم عن أسوأ تطبيق لا يستغنى عنه، وأقبح تطبيق لا مفر منه، أعني غدريدز!
إن كان كذلك، فلا بدّ أن يكون فيه خط زمني لمتابعة التحديثات،
فإن قيل إنها قد تصرف عن القراءة، فأقول إن مطالعة ما حول القراءة قراءة،
ولا أخفي ما كان لغدريدز من أفضال عليّ في تنمية القراءة وحبِّها، ففيه خط زمني ترى فيه تحديثات القراءة، هذا شرع في كتاب، وآخر أتم كتابًا، وثالث صادق رابعًا، واحة ممدودٌ ظلُّها، وما دخلته يومًا إلا وزادت قوائمي كتابًا حتى وصلت إلى ألف كتاب، معظمها مما أود قراءتها إن أسعفني الزمان.
إن وجود خط زمني ترى فيه ما يصنع القراء يحفز ويساعد على تنمية عادة القراءة، وخوارزميات جذب الانتباه واقع محتم، وشرٌّ لا بدّ منه، وعليها يقوم اقتصاد كثير من التطبيقات، وأزعم أنه أهم وأولى من عداد التركيز، ولئن كان الناس يبددون أوقاتهم -وما أبرئ نفسي- في تطبيقات شبكات التواصل فيما ضرره أكبر من نفعه، فتطبيق مثل نديم أولى أن يصرفوا فيه أوقاتهم، وأزعم أنه سيزيد حبهم للقراءة.
إنني وكثيرًا من القراء ننشد تطبيقًا يكون لنا موئلًا، وفي نديم الأصل الثابت الذي يجعله جديرًا أن يكون هو رائد المرحلة، فكم من موردٍ ما بلغناه في الثقافة ولا صدرنا عنه -بعد الله- لولا نديم.
المحتوى والإثراء
وفي التطبيق نقص كبير للمحتوى، بل ما من وجود للمحتوى، لا إثراء ولا مراجعات، وهذي الميزة من أكثر ما يرفع غدريدز عن غيره، فمن عراقته ترى تعليقات ومراجعات عربية عمرها 12+ سنة، ومن غزارة ما فيه كأنه بحر بلا ساحل، وما دخلت يومًا إلا وغمرني استمتاعًا وأُنسًا، تعليقات طريفة ومراجعات مثرية، وهو يطبق الدائرة الكاملة، تدخل من تحديث إلى مستخدم، ومن هذا المستخدم إلى كتاب في قوائمه، ومن هذا الكتاب إلى مراجعات القراء، ومن مراجعة إلى صاحبها، وتظل فيه متنقلًا تستنشق أريج زهرة وتتلذذ بحلو فاكهة.
على أنه رديء جدًا، ولا يدعم لغتنا المجيدة، وإنني لأتعذب كلما هممت بكتابة شيء فيه، إن واجهاته إنجليزية، ومحرر الكتابة فيه خِلو من دعم العربية، حتى اتجاه النص!
ماذا عن تطبيق نديم؟ الدائرة في نديم منقوصة غير متصلة، أكثر ما تستطيعه أن تنتقل من مستخدم إلى كتاب، ولا أكثر من ذلك، ولماذا أبقى في التطبيق إن كان خاويًا؟!
قوائم الكتب
ومن صور الإثراء قوائم الكتب الموصى بها، وهي موجودة بأغبى ما يكون في غدريدز، وما أقدر نديم أن تضع قوائم للكتب يعدها الذكاء الإنساني لا الغباء الاصطناعي.
وكانت لتعين القراء في فعالية أريكة وكتاب، بترشيح مجموعة كتب لهم تساعدهم على إكمال التحدي.
مثل قائمة لخفيف الكتب، وقائمة لكتب تصلح للتحفيز على القراءة، وقائمة في الأدب وفي غيره من مختلف الفنون والحالات والألوان.
كلفة الهجرة
ومسألة مهمة لجذب مستخدمي غدريدز وغيره، وهي نقل المكتبة، إن لي -كما أسلفت- رفوفًا عديدة فيها 1000~ كتاب، وانتقالي دونها كمن يقتني خزانة جديدة في منزل آخر ولا ينقل إليها كتبه، وما أصنع بالخزائن الخالية؟!
على أنه يعجبني في تطبيق نديم تقدير الخصوصية، فقد أتاحوا خزانة سرية يوضع فيها ما لا يريده المستخدم أن يُكشَف، لكن حبذا لو كانت خيارًا في قوائم الكتب دون أن تحصر بقائمة واحدة هي الخزانة السرية، ودون أن تقيّد بعدد.
قافية
لعل عتْبَكَ محمودٌ عواقبُهُ
فرُبّما صحّتِ الأجسادُ بالعِلَلِ


