22. رفوف مغبرة
مكتبة غدريدز
كلما أخبرت أحدًا أن على رفوف مكتبتي في غدريدز ألف كتاب، غمره العجب حتى لينتابني شيء من الزهو، وإنما هي نقرات أفتعلها على ما يشد انتباهي، لا تكلفني شيئًا، وتتراكم بمرور الأيام حتى تعد بالمئات والآلاف.
ولست أجد في ذلك ما يدهش، إن الأمر عندي كمن يلتقط لنفسه صورة أمام سيارة فارهة لا يملكها. وهذه الكتب معظمها موضوع في خزانة مغبرة موسومة مما أريد مطالعته.
ولا أخفي أن منظرها يروق العين ويأخذ باللب، هذا وهي على حقيقتها بيانات رقمية وهمية، فليت شعري ماذا يجد في نفسه من له مكتبة ضمت في رفوفها آلاف العناوين…
إنني بعد أن اقتنيت أول خزانة كتب في مكتبي وملأتها كتبًا، شعرت أن الدنيا كلها قد حيزت لي، وأنني على قدر من الترف لا يعدله شيء، يحيطني جمال أخاذ لا تضاهيه أي إطلالة على شيء من محاسن هذا الوجود.
وإذا تجاوزت هذا الزهو العابر، وخفت شِرّة هذا الهيام الغامر، رأيت رفوفي الرقمية ملأى بالغبار، كدستها ثم لم أرجع عليها، ولم أتعاهدها بالتهذيب والصون، بل تخليت عن السبب الذي جمعتها لأجله، فإنما أكنزها لأقرأها.
ولا أعاني هذه المشكلة فيما أقتنيه من كتب، لأنني ألزم نفسي بعهد قطعته، ألا أقتني مجموعة جديدة إلا بعد أن أكمل قراءة الغنيمة السابقة، فلا توجعني وخزات الضمير، ولو تركت نفسي وهواها، لبددت مالي وغصّت بما تحويه مكتبتي. وهذان القيدان الميزانية والمساحة، معينان على الالتزام بهذا المنهج.
وكنت أتجول بالأمس في مكتبتي في غدريدز، فعجبت من كثرة المؤلفات التي نسيت متى أضفتها، ولا أدري شيئًا عن موضوعها، هذا غير العشرات مما كانت مناسبة لفترات سابقة من حياتي، ثم ما عادت تلائمني في الوقت الراهن، كأنها أرشيف يوثق اهتماماتي على مر الأعوام.
وماذا أصنع بكل هذه الكتب؟
لا أجد ما يدفعني للتخلص منها، فهي لا تحتل حيزًا من المكان، فأفرغها لتأخذ مكانها غيرها، ولا تلتبس عليّ بما أعزم على مطالعته حقًا، لأنها في رف مستقل.
كل كتاب منها له باعث وراء اختياره، أقلها أنني قرأت مراجعة تطريه فأغرتني به، أو أنها ترشيحات ذكرت عرضًا في محاضرة أو لقاء، أو توصية من صديق ما برح يحضني، وما يزال يكرر عليّ حتى أظن أن له أجرًا عن كل نسخة!
وبدا لي بعد تفكير أن أستحدث قسمًا في كل تدوينة، للتعريف بكتاب أختاره منها اتفاقًا، وهي على صنفين: صنف مما رغبت عنه ولا أظنه يحظى مني بتصفح، أي أنني لن أقرأه على الأرجح، وهذه معظمها من الاختيارات القديمة، وصنف مما أضفته قريبًا، وكلاهما مما لم أقرأه بعد. ولحسن الحظ أن كثيرًا مما أختاره لا أندم عليه، وقلما فرغت من كتاب وهممت أن ألقي به للموقد.
وفيها تنويه ببعض العناوين المغمورة، وإحياء للمندثرة، وتغرير بكم! لربما يسبقني الواحد منكم، فيكفيني عناء الاطلاع على ما لا يستحق. وتعريفي بها قائم على الظن والتخمين، وبما سمعت عنها أو قرأت، وهذا من فن التحدث عن كتب لم أقرأها!
غلاف
سمعت بهذا بالكتاب من مؤلفه في أحد النقاشات، وهو خبير في فن التلعيب، اسمه يوكاي شو، ودفعه إلى دراسته والاختصاص فيه ولعُه بالألعاب من أيام صباه، وأنا مهتم جدًا بالتلعيب، ولست من اللعّابين!
وفكرة هذا الكتاب فيها استلهام من نظرية نسبت للكاتب مالكوم غلادول، أن حذق مهارة والتمكن منها يقتضي بذل عشرة آلاف ساعة، فاختار المؤلف عنوانًا لكتابه (عشرة آلاف ساعة من اللعب).
وقبل أن تتعوذ من ضياع العمر فيما لا ينفع، فإن غرض الكاتب وضع مبادئ مستوحاة من الألعاب، إذ لطالما تساءل أمثاله: أي سحر تحويه الألعاب حتى توقع الناس في إدمانها؟
ونظروا للنصف المملوء من الكأس، أننا ينبغي أن ندرسها متخذين أمثالًا منها مما شاع نجاحه، فنجرد منها أصولًا نستعملها في كل جوانب الحياة، وهذا هو فن التلعيب.
والكتاب يحدد ستة مراحل، ويقسمها قسمين، القسم الأول في معرفة النفس، والثاني في تنميتها والارتقاء بها، كما ترون في غلاف الكتاب. وهذه المراحل على الترتيب:
اختيار اللعبة، أي تحديد الهدف
معرفة خصائص اللاعب، أي إدراك المواهب
تحديد الدور، أي تعيين الموهبة الفارقة
تطوير المهارات
الاستعانة بالرفقة
اقتحام العقبات
قافية
كأنّ فؤادي من تذكُّرِهِ الحِمَى
وأهلِ الحِمَى يَهفو بهِ رِيشُ طائرِ


