23. دقائق وثوان
مراجعة تطبيق إدارة الوقت
وعيت أهمية الوقت لما قررت لملمة شتات نفسي قبل بضع سنين، وكنت أعجب من نفسي أن تمضي الساعات في السفاسف، كأن الزمان مورد لا ينضب، وكأنه حمل ثقيل يكلف به المرء كل يوم، يلقى فيه على كاهله أربعة وعشرون مثقالًا، ومهمته أن يبعثرها على سبيل التخلص، ويجري مصداقه على ألسننا إذ نذكر تزجية الوقت وتمضيته وتضييعه، يرهقنا الفراغ ويرعبنا الملل.
وإنما يبدد الإنسان عمره، فكل ساعة تمر لا تعود، وكل يوم يذهب يأخذ جزءًا من حياته، حتى ولو قدِّر له أن يعيش مئة سنة، فإنه يبقى له مئة إلا واحدًا، ومئة إلا يومين، وهلمّ جرًّا.
وكانت تذهلني أخبار العلماء الأولين، وضَنّهم بثمين أوقاتهم، فهم ينفقون أعمارهم في حرص أشد من حرص الشحيح على ماله، ومنهم من كان يقدّم الكعك على الخبز، يتخير بذلك الأطعمة بناء على ما تستغرقه في المضغ!
ونيل سامي المطالب عزيز، وهو أعزّ وأصعب على من لا يبالي فيما قضى لياليه وأيامه، فكيف بمن لا يدري فيم قضى ساعات يومه؟! هذا كالمبذّر يشكو الجهد والقُلّ وهو كالجراب المثقوب لا يمسك ما فيه.
وهُدِيت بعد سنين الضياع إلى اغتنام شبابي، وبعد الميل للهو إلى الشغف بالعلم، وكان لا بد لي من ضابط يعنيني على حسن الإمضاء، وما كان لي ذلك دون وسيلة أسجل بها ماذا صنعت في يومي. وكما ذكرت في تدوينة سابقة، فإن أول خطوة في سبيل إدارة أمر أن يتتبَّع على حاله، فيشرع الإنسان في إحصاء كل ما يعمله ولو تقديرًا.
وكان أول ما صنعته أن اتخذت سجلًّا أكتب فيه ما أصنع من ساعة أصبح إلى وقت أخذ مضجعي، أثبت فيه العمل ووقت بدئه وانتهائه، وكان ذلك تقديرًا، فعسيرٌ تتبع الوقت بالدقيقة والثانية، وكان في ذلك انتقاء، فما كنت أثبت فترة الراحة، بل أعنى في الغالب بإثبات ساعات التعلم.
وكانت هذه التجربة مضيئة ومحفزة وممهدة، بصرتني بيومي كيف أقضيه، وحفزتني على الاستمرار فيما أنا مقبل عليه، إذ صرت أرى مجموع ساعات كل شيء مما يهمني، ومهدت للانتقال إلى وسيلة أجدى وأفضل.
ولست أنسى تلك الساعة، حين بحثت عن أداة لإدارة الوقت، فوجدت تطبيقًا أزرق رائقًا، وتجولت فيه قليلًا فأعجبني، وقررت مباشرة أن أشترك في باقته المدفوعة، وأنا مطبوع على الأناة، لا أحب القرارات المستعجلة، حتى لو كان في شراء تطبيق، لكنني لم أتريث آنذاك. وقد مضى على شرائي له ما يقرب من سبع سنين، استعملته فيها كل يوم!
وأنا متعجب إلى هذه اللحظة من بخس أهل هذا المنتج لتطبيقهم الرائع، فإن ما دفعته لا يعد شيئًا يذكر، وهي باقة تدفَع مرة واحدة، وليست باشتراك دوري، وقليلٌ في قدره أن يبذل هذا المبلغ كل شهر، بل كل أسبوع!
هذا غير اعتنائهم بالمستخدمين وسماعهم لما يطلبون، ومنها أنني طلبت منهم ميزةً أحتاجها وتقلل عليّ عناء التقييد في التطبيق، فلم يبطئ عليّ جوابُهم، ووجدتها مضافة في تحديث لاحق. وكنت قبل ذلك للتطبيق محبًا، فصرت من بعد هذه الميزة مغرَمًا. وما برحت من أول شهر أبشّر به وأزعج كل من آنست منه ميلًا، كأنني من المؤسسين، وأروج له كأن لي عن كل مستخدم يأتي من قبلي أجرًا!
وقبل أن أستعرض التطبيق، فإنني أحذر من عرَض جانبي يصيب المستخدم في أول أسبوع، ألا وهو تأنيب الضمير، وكيف لا يتوجع بوخز لسعاته، وهو يرى عمره في صورة جدول مقسم على الساعات والدقائق، امتلأ منه ما أثبته، وخلا منه بقيته، هنالك يدرك المصيبة الكبرى التي يقترفها كل يوم.
وحقيقٌ به عند ذلك أن يتيقن أنه مهما بذل، فإنه لن يقدر أن يحصي يومه كله، ولا أن يغتنمه كله. ولنا في النظر إلى الوقت زاويتان كزجاجة الماء، أحدها للنصف المملوء، والأخرى للنصف الفارغ.
وقد كنت أحزن للساعة الواحدة تذهب سدًى، ولو كانت وسط ساعات ثرية مغتنمة، ما كان يرضيني غير امتلاء الكأس، وما كان للكأس أن تمتلئ أبدًا. وأزاح عن قلبي هذه النزعة المثالية الخيالية، أنني صرت أبصر ما صنعت وأغضي عما فات، فيتجدد العزم كل يوم، وأخفف عن نفسي كثيرًا من اللوم، إذا اعتراني كسل أو صرفني شغل.
واسم التطبيق الذي أحدثكم عنه (ATracker)، وهو تطبيقي المفضل، ما أستغني عنه أبدًا، ولا ينفك عن العمل. وله منافع عدة، أهمها إدارة الوقت، والتوثيق والتدوين، ولا تظهر منزلته إلا بعد مدة من الاستعمال، لا ينبغي أن تقل عن أسبوع، ولا أراها تقل عن شهر.
وجوهر التطبيق قائم على فكرة المهمات، فكل شيء يصنعه الإنسان يعد في التطبيق مهمة، كالدراسة والرياضة والنوم وغيرها، وهي في النسخة المجانية محدودة بثلاث، وهي كافية للتجربة.
وكل مرة استعمال تعد إدخالًا، وهو تقييد جديد حده زمن البدء وزمن الانتهاء، وللمستخدم أن يعدل الوقت كما يشاء، حتى لو أراد تقييد شيء في يوم لمّا يأتِ بعد، وله أن يقيّد أكثر من مهمة في آن واحد، مثل الاستماع والقيادة.
وأهم أمر لا ينبغي أن يفوّت، استعمال خانة الملاحظة التابعة للقيد، فأنا أعتمد عليها مثلًا في تتبع قراءاتي، أي كتاب أقرأ، وعند أي صفحة وقفت في هذا الكتاب.
وكنت أستعملها لتتبع دراستي لمواد الجامعة، مستغنيًا بها عن تكثير المهمات، فلا أضع لكل مادة مهمة، بل أجمعها في مهمة واحدة، وأفرق بينها بملاحظات الإدخالات.
وميزتي التي اقترحتها -وأنا مبتهج بها كأنني صانعها- هي ميزة الملاحظة الافتراضية، وهي قالب جاهز يوضع مع كل تقييد، فلي نسق موحد لكثير من المهمات، وتفيدني هذه الميزة في التغيير السريع للأرقام والبيانات، فحين أشرع في قراءة كتاب مثلًا، أكتب عنوانه في قالب المهمة، وكل ما عليّ فعله بعد ذلك تغيير أرقام الصفحات.
وتأتي ميزة الوسوم فوق المهمة، نظام يحوي مهمات عدة، فأنا أستعملها مثلًا لجمع مهمات الكتابة، لأن عندي مهمات مختلفة باعتبار الأنواع، وعندي وسمٌ واحد يجمعها، ومنها -تتميمًا لمثال المواد- وسمٌ للجامعة يشمل كل مهمات المواد.
وأهم قسم في التطبيق قسم التقارير، تعرض فيه إحصائيات مقسمة في صورة أشكال بيانية، دوائر وأعمدة وغير ذلك، بخيارات متعددة من التخصيص، عرض مجموع الساعات أو مرات التقييد، اليوم أو الأسبوع أو الشهر أو مجال زمني مخصص. وهذه التقارير يمكن تصديرها في صيغ مختلفة من الملفات.
وهذا غيض من فيض، ولا أراني أستعمل منه إلا جانبًا من جوانب، فهو يصلح أن يكون عدادًا للتركيز لمن تلائمه هذه الأداة، أو يضع هدفًا مرتبطًا بمهمة ويتتبع إنجازه.
قافية
لولا مفارقةُ الأحبابِ ما وجدَتْ
لها المَنايا إلى أرواحنا سُبُلًا





مقترح جميل جاء في وقته، شكرًا لك :)
وإن كنت أريد تنويهًا أن إدارة الوقت لا تأتي إلا بإدارة الذات أولًا، ولربما تطبيقات كتلك تنعش وتعيد للسياق برهة من الزمن، ولكن النفس تسأم، وهنا يكمن جدّ الالتزام والعزم…