24. عامٌ مفدّى
كيف تراجع السنة الماضية؟
يقبل آخر شهر من العام، وتنتشر فيه مقاطع الإعداد للعام القادم، من أهداف وأدوات ووسائل ونصائح ومحفزات، وتعتري النفس هزة للإقبال على السنة الجديدة بقوة.
ولكننا في أثناء هذه الدورة الجديدة التي تتكرر كل عام، ننسى أمرًا أهم من وضع الأهداف بين يدي السنة القادمة، ألا وهو مراجعة السنة العابرة! إذ كيف يستطيع الإنسان أن يغتنم عامًا جديدًا من عمره وهو لا يدري كيف مضى الذي قبله؟! وأنا أعلم أن المراجعة أثقل من الاستهلال، فقراءة كتاب جديد أهون من الرجوع لكتاب سابق، وتعلم مهارة جديدة أمتع من تطوير مهارة مكتسبة، والتخطيط للأشهر القادمة أحلى من تقييم الأيام السالفة.
وأنا حريص على التخطيط، مستثقل للمراجعة، فإن لم يكن منها بدّ، فإنني إما أن أتفرغ لها بعد فوات الأوان، وإما أن تكون محدودة قاصرة، لأن هذه الجلسة الحولية لا تتهيأ إلا بعد مضي أشهر من العام الجديد، فتتحول من جلسة للاعتبار إلى عمل إجرائي ليس إلا توثيقًا محضًا.
وحتى لو قدمتها، فإنني لا أتجاوز بها بيان نتائج الأهداف المقيسة المنجزة، دون عرض مفصل لحال غيرها، وليس الإنجاز أن يدرك الهدف كله، والحياة أوسع من قصر تقييم سنة منها بالأهداف، فقد يكون المغنم إنسانًا، وقد تكون السعادة ساعة صفاء مع رفقة مؤنسة، وقد يكون الربح نجاة من خسارة محتملة، أو شفاء من علة، أو رجوعًا لغائب، وكل هذا لا يقاس بالأرقام، ولا يُعَدّ له من أول العام. ثم أجد في دفاتري إذا رجعت إليها في آخر كل واحد ثبَتًا أسرد فيه كل جانب من حياتي، وما قضيت فيه من ساعات، وما حققت مما أمّلت، وما قرأت وما كتبت، أعدها في يوم متأخر، ثم تطوى ولا يثاب إليها.
ورغبت هذه المرة أن أجرب منهجًا جديدًا، وأبادر آخر شهر قبل انسلاخه، ولو خصص الواحد فينا آخر شهر للمراجعة، لم يكن ذلك كثيرًا، وهذا ديسمبر قد بلغ عتبة الباب.
ووقعت على مقطع رائع يعرض فيه صاحبه طريقته المبتكرة في المراجعة، وتوخى فيها الشمولية والتنوع والتسلية. وهذه الطريقة تقسم المراجعة ثمانية أقسام، ولكل قسم ورقة مخططة.
موجز
هذا القسم يمثل الصورة الكبرى للعام، ونضع فيه أهم الأحداث، سواء أكانت مكتوبة أم مرئية.
والقرارات الممتازة التي اتخذناها مما عرض لنا في أول العام أو في آخره، فقد يبدأ المرء عامه بتجربة جديدة، وتضيء له زوايا ما كان يفكر فيها، فيكون خيرًا له أن ينسخ خطة سابقة، ويشرع في أخرى حادثة، وقد لا يكون القرار فعلًا بل تركًا، وهذه اللحظات نادرة تأتي بغتة، فينبغي أن تتحرى.
والعوائق الطارئة التي حبست عن نيل المراد أو أثرت على أمور أخرى، مثل المرض أو السفر أو غيرهما، وهذه النقطة مما يغفَل عنه، لأن الأيام لا تمضي على هوى كل واحد منا، حتى يرحم الإنسان نفسه ويرفق بها.
التقاطات
وهذا لمحبي التصوير قسم ممتع، ولي مشقة مرهقة ):
ونثبت هنا صورًا لأحوال متعددة، باختلاف الزمان صباحًا ومساءً وليلًا، واختلاف المكان في الحضر والسفر، وفي خضم رحلة السعي، مثل الصور الملتقطة خلال العمل على مشروع ممتد.
أهداف
نورد هنا الأهداف التي وضعناها قبل حلول العام، مقسمة على حال التقدم والنوع والحجم.
وهي من ناحية التقدم إما منجزة، أي ما اكتمل بالمعايير التي قررناها قبل البدء.
وإما متعثرة، وهي التي تأخرت عن وقتها أو نقصت عن النصاب المرجو، كمن يستهدف قراءة عشرين كتابًا ثم يجد نفسه قرأ عشرة.
وإما ملغاة، وهي التي رأينا ألا نعمل عليها أو أخفقنا فيها، فربما استهدف الإنسان شيئًا، ثم استبان له ما يصرفه عنه، فقد تختلف الوجهة وقد يتغير الطريق.
ومن ناحية النوع هي مشاريع أو مهارات، والمهارات إما اكتسابًا لجديد أو تنمية لمهارة يشتمل عليها.
ولا ننسى أن نوثق الانتصارات الصغيرة الخفية، وكم منا من لا يأبه لها ولا يحتفل بها.
مختارات
لو جمعنا الدقائق التي طالعنا فيها المواد المقروءة والمسموعة والمرئية، لصارت تعدّ بالأسابيع الكاملة، وهذه الدقائق القليلة تؤثر فينا باجتماعها وتراكمها، كما تؤثر قطرات الماء في الصخرة، على أننا ننسى معظم ما رأينا وسمعنا.
ولنعتبر هذا القسم حفلًا نقدم فيه جوائز في المحتوى بتعدد الألوان والفنون، من الكتب والتدوينات والحلقات وغيرها، واختلاف الفنانين، من الكتاب والمدونين -مثلي 😊-، واليوتوبيين والمذيعين، وعلى ما انطبع في النفس من سرور وحزن وضحك وبكاء وإلهام وتشجيع وتعليم وتأثير، وما جدد فينا الأمل، وما وسوس إلينا بالفضول.
علاقات
هذا قسم الامتنان والحنين، إنسان رائع لقيته، وأثير فقدته، وليلة أُنس تفدّى بالأيام، ومحادثة شائقة تكتب بمداد الذهب، ومن أغاثني في ساعة العسر، ومن أخذ بيدي في وقت العجز، ومن انتفعت بصحبته امتياحًا من العلوم، أو أفدت منه خبرة في الحياة.
صور أخرى
هل تجد في ألبومك صورة تغني عن البيان؟ وصورة إن نظرت إليها أشجت، أوعبرت عن فوضى، أو أفضت بالخيبة، أو أضحكت وسلّت، أو كانت مقارنة بين حالين قبل التغيير وبعده، أو في مستهل الشروع وعند انقضائه.
تجارب وعبر
اكتب هنا أهم ثلاثة دروس مستفادة، وبضعة أشياء صنعتها أو أنجزتها، وتجارب جديدة خضتها، ومغانم اكتسبتها، ولو كانت معاني قائمة في الذهن مثل الثقة.
وقفات
هل أنا الآن ما كنت عليه قبل عام؟ من كنت وإلام صرت، وكيف تغيرت، ومن أي وجه استحالت حياتي شيئًا جديدًا لا عودة فيه لما مضى.
حتى يقف الإنسان وقفة مهمة عند السؤال الصعب:
ثم ماذا؟
قافية
ما لِقلبي كأنه ليس منِّي؟!
وعظامي إخالُ فيهنّ فَتْرًا
Cover image by Javier Allegue Barros. Unsplash.

