25. تأهب
الاستعداد لمعرض الكتاب
ما زلت أذكر زمانًا كنا نأتي فيه إلى المعرض، نجر أذيال الاغترار، على وجوهنا مسحة الغفلة، ويعجبنا من أنفسنا أننا في رحاب الكتب، وأننا بذلك صرنا من المثقفين، ونحن نجول خلال الدور، ونتناول النسخ، ونصور منها ما نمني أنفسنا باقتنائه أو قراءته يومًا.
ثم يحول العام ويعود المعرض، ويكون منا ما فعلناه في المرة الأولى، لم نغير خلقًا، ولم نصحح عزمًا، ولم نخطُ في سبيل المعرفة شبرًا.
وكانت تغريني الأغلفة البراقة والعناوين الجذابة، وما أعرض وبرز من الكتب المنفَّقة، أعلاها مبيعًا وأكثرها جذبًا، وما تشدّق به العارضون والباعة، وما اجتمع عليه الزوار وأحاطوا به من الأجنحة.
ثم أتى عليّ زمان استحالت فيه الفوضى نظامًا، والاستكشاف تصميمًا، فصرت أعد فيه لقدوم المعرض أكثر مما تتهيأ أم لغائبها المسافر، على أني كنت في استعدادي في بدع من القراء، كأنني مهندس توليت مشروع برج شاهق، وحتى صار لكل ما أصنعه قدر معلوم لا أسمح فيه بالضلال ولا انحراف القصد.
ولما رجعت إلى خطتي المرسومة، وتبصرت في مراحلها المتوالية، رأيتها منهجًا يصلح أن يتمثل، فإنني إذا دنا وقت المعرض، جهزت لنفسي قائمة بما أود اقتناءه، وهذه القائمة المنتقاة نتيجة لأطوار منها ما يكون أول ما تقع عيني على عنوان طريف، ومنها ما يكون إلى حلول المعرض أقرب.
وكل كتاب ينال موضعًا في قائمتي، يمر بهذه المراحل: التقميش، التوسيم، التمحيص، التهذيب، التصنيف، الترتيب، التثمين، التحديد.
وقبل تفصيلي القول في كل مرحلة، أدفع ما يتوهم من أن هذه الطريقة تصد عن متعة الاستكشاف، وتكدر حلاوة المفاجأة، فظفر الإنسان بما لا يتوقعه أحسن موقعًا في النفس مما قدّره، كالهدية تأتي على حين غرة، فتجمع لذة الكسب والاجتلاء.
أو مثل سائح يزور بلادًا لا يعرف عنها غير اسمها، فيمشي في أنحائها على غير هدى، ويقوده ضلاله ويدفعه فضوله إلى تبين ما كمَن من محاسنها، في مواضع لا يهتدي إليها البواقع الرحالة، فهم رهن علمهم الأول المحدود ولو اتسع، وخريطتهم الناقصة ولو امتدت، وهو حرٌّ لا تأسره خبرة قديمة ولا دليل عتيق.
لا، ما من تعارض بين التحضير والاستعداد، وبين الاستمتاع والاستكشاف، بل التهيؤ مظنة حسن الاغتنام، والمستعد يسعه أن يترك نفسه وهواها إذا شاء، ويمكنه أن يفرغ مجالًا للمفاجآت. هي خطتي، أعدِل عنها وأغيرها كما يحلو لي.
التأهب مثل وعد مأمول، عقدته الثنايا العذبة، وتعلق به القلب المرهف، فظل الفكر يعد الأيام انتظارًا لساعة الوفاء، كلما تقاصرت المدة تعاظمت الرغبة، فإذا حانت اللحظة وأوفى الواعد بعهده، تمّت له البهجة، فهو ملتذٌ بترقبه، ومسرورٌ بعدُ بمناله.
تقميش
كل كتاب تسمع به في حديث عابر، أو يذكر في نقاش، أو يرد في متن كتاب آخر، أو يوضع في حاشية أو مرجع، أو يوصى به من ناصح، فينبغي ألا يمر من دون إثبات عنوانه في مسرد تتخذه، إن جذبك أو ظننت أنك ربما تعنى بقراءته في وقت لاحق، حتى إن كان يغنيك عن مطالعته تلخيص، أو يكفيك منه اقتباس أو مراجعة.
وهذا هو التقميش، تقييد عناوين الكتب المختلفة في مكان واحد حتى لا تضيع، وهو تقميش لأننا في هذه المرحلة لا يعنينا أن نقيّم وزن الكتاب في فنه، ولا أن نتثبت من ملاءمته لنا.
توسيم
وفي التقميش نقص أدركته بعد سنين، وهو أن العناوين إذا تكاثرت في مكان، صعب التخير منها، فما هي إلا أسماء وضعت في قائمة واحدة بلا معايير للموازنة والتفضيل، فيكون اطراحها أهون من الانتخاب منها.
لذلك يأتي إزاء التقميشِ التوسيم، فلا تكفي قائمة واحدة لكل الكتب، بل تقسم إلى قوائم موسومة، ووسمها بحسب ما يرى القارئ، إن شاء جعلها باعتبار الفن أدبًا أو سيرة أو رواية، أو كانت باعتبار الموضوع علم نفس أو علم اجتماع أو إدارة. ومن القراء من يقسم بعصر الكتاب، أو بلسان كاتبه، أو بالمؤلف.
فالكتاب الواحد يعرف في هذه المرحلة بأمرين: عنوانه وفنه، وقد تتقاطع التقسيمات فيكون الكتاب الواحد موضوعًا في أكثر من قائمة.
تمحيص
هنا تتزاحم الكتب وتتدافع، كل واحد فيها يطمع أن تعانقه يد، فينتخب دون إخوته أو يختار بين أصحابه.
لكن الكتب كثيرة، والوقت ولو طال قصير، والمساحة ولو انبسطت ضيقة، والميزانية ولو وفرت محدودة.
فلا مناص من الترك قبل الأخذ، أراجع قوائمي المقمشة الموسومة، وأنقل منها إلى قائمة مصطفاة، ما أشعر أنني صحيح العزم على قراءته، وأنه يعود عليّ بنفع قريب، أو يسرِّي عني بتسلية مؤكدة، أو يتصل بعلم ألتمسه.
وقد نقلب الأمر ونسأل: ما الذي أخسره إن لم أقرأ هذا الكتاب؟
تهذيب
والتهذيب تمحيص بعد التمحيص، نرجع فيه البصر كرًّا إلى القائمة الممحَّصة، ونصطفي منها أكثر من المرة الأولى، حتى لا يصمد منها سوى مثلَي ما ننوي اقتناءه.
وتقدير العدد المناسب للاقتناء يعتمد في أساسه على متوسط الكتب التي نقرؤها في السنة الواحدة، وهذا لمن يشترط على نفسه ألا يقتني جديدًا حتى يكمل قراءة ما عنده. فمن عرف من نفسه أنه يقرأ في العام عشرة، هذّب قائمته حتى يبلغ عدادها عشرين.
ولماذا يكون عددها ضعف ما نريد؟
حتى ندع مجالًا للانتقاء فالآراء تتقلب، ولأننا سنجد إذا درنا في ثناياه، أن ليست كل الكتب موجودة أو أن نسخه كلها بيعت، فالزيادة فسحة للنظر، واحتياط من الغياب أو النفاد.
تصنيف
بعدما تصفو لدينا قائمة مهذبة، نعيد تصنيفها إلى ما كانت عليه من قبل التمحيص، فنجعل كل وسم في صف منفصل، ونزيّل بينها بدرجات، درجة أولى لما لا بد منه، ودرجات بعدها لما في تملكه سعة، وأنا أحب تبيين الدرجات بالألوان.
وعدد العناوين المصنفة يكون مماثلًا للمقصود، ويزيد عنه قليلًا.
ترتيب
هذه آخر مرحلة من الاصطفاء، ويعاد جمع القوائم فيها حتى تصير قائمة واحدة، وأرتب فيها العناوين على الأولوية، فتخلص أمامي قائمة المعرض، ولا أنسى أن أسجل الطبعة المختارة واسم ناشرها.
تثمين
وحتى نتثبت من الميزانية، ونعصم أنفسنا من مخادعات الدور والعارضين، نبحث عن سعر كل كتاب في النت في مختلف المتاجر، سعره عند الناشر وعند غيره من الوراقين، والأسعار غالبًا متفاوتة، نختار منها قيمة وسطًا نثمن بها الكتاب. ونقارن مجموع الأثمان بالميزانية المقدرة.
تحديد
يصدر قبيل كل معرض دليل بالدور المشاركة، ومواضع أجنحتها في المعرض، وتكون قائمتي عتيدة عند صدوره، لا ينقصها غير تحديد رمز الجناح، وأنا بذلك أتفادى كثيرًا من دقائق الحيرة ضائعًا تحت أديمه.
قافية
أتى زائرًا من غيرِ وعدٍ وقال لي
أصونُكَ من تعليقِ قلبِكَ بالوعدِ
Cover image by Lysander Yuen. Unsplash.

