26. حكايات المعرض
محدَثات وكتابات ومتفرِّس ولص
مُحدَثات
لا تزال الدور تدهش الحاضرين بالغرائب في كل مرة، إذ غدا النشر صناعة يسوَّق لها بالأشياء الجاذبة والصور الخاطفة، كما ينفِّق غيرهم بضائعهم من صانعي الملبوسات والمأكولات.
وهذا زمان ما عاد يصبر فيه الواحد أكثر من بضع ثوان، فإن زادت خشي عليه من السأم، لا سيما وهو يرى كثرة الدعاة ووفرة الأشياء، ولا ينظر إلى شيء حتى ينصرف إلى غيره، كأن توقفه تمهيد لانتقال جديد.
وهذا محفل فيه أجنحة كثيرة، تبلغ بالعد ألف جناح، منها الظاهر الواسع متعدد النوافذ الذي يوصَل إليه من كل اتجاه، ومنها الصغير الضيق الذي لا يسع اثنين، له إخوة متساوون في الأطوال والأسنان، فما له بد من أن يتخذ حلية ليمتاز عنهم، ولا أفضل من أن تكون بدعة محدَثة لم تعرف من قبل.
رأيت وأنا أتجول عناوين أعرفها على أغلفة أنكرها، حتى شككت أنهم تخيروا الكتب الشهيرة فسرقوا عناوينها دون ما تحويه متونها، بل أظن أن الكتب نفسها تنكر هذه الجلود الغريبة التي كسَوها بها، وإن كنت لا أخفي أنها جذابة تشد الناظرين.
كان على أرفف بعض الأجنحة عناوين لكتب تراثية شهيرة، الداء والدواء وروضة المحبين، وغيرها من كتب ابن القيم، وصيد الخاطر ورياض الصالحين، وعهدي بها وأغلفتها خالصة اللون، ليس فيها وَشْيٌ ولا زخرفة غير خطوط مذهّبة، ولا تستهوي إلا من يعرف شأنها، وهي اليوم في ثياب جديدة مختلفة الألوان والأشكال مطرزة منقشة مزركشة، لها رونق وبهاء فلا تقدرعين تقرعليها أن تطرِف.
وسألت أحد الباعة، فأخبرني أن هذه الحيلة في التسويق أجدت عليهم من الخير ما لم يكونوا لينالوه، عمل الورّاقين اليوم أصعب مما كان عليه.
لكنني رأيت ما هو أطرف، حين كنت أخطر في حبور في أرجاء القبة، عند جناح اعتاد العابر من عنده أو المقبل عليه أن يسمع: “أعطيك فكرة، أستاذة؟” أظنهم لغلبة النساء على الحاضرين نسوا تذكير الأسماء.
ويبدو أن هذا النداء ما عاد يجذب وحده، فصوت العارض قصير المدى ولو كان يهتف، إذ تختلط الأصوات وتضيع في هذه الجلبة، ضجيج مستمر وصدى من المسرح وغناء من قسم الأطفال.
فوجدوا خط العبارة أحسن من اللفظ بها، وصار العارض المسكين مضطرًا أن يحمل ورقة إلى نحره، فيها سؤال يستوقف ويغري بالفعل، قالت الورقة: “هل ابتسمت اليوم؟” وأنا لا أحتاج هنالك أن يذكرني أحد بالتبسم، لكنها كانت إذا مررت بهم تبعث مني ضحكة ساخرة من هذا السخف، ثم تنطمس فتنقلب إلى وجوم.
كتابي
ليس الأجير كالمالك، وأحسن ما يأتي به العارض أن يردد ما استظهر، وكنت أعبث معهم حين يسألونني: أي الكتب تقرأ؟ فأخبرهم أنني لا أقتصر على فن، وكلما سألوني لغرض التخصيص، فاجأتهم بالتعميم، حتى يبهت القائم أمامي، فأقول: حيرتك إجاباتي؟!
صنيعهم يذكرني بقسم تصفية النتائج في التطبيقات، الاختيار يخصص النتائج ويصفيها، وتركي لها بلا تفعيل مثل اختياري كل الخيارات، وهؤلاء لا يقدرون أن يرشحوا شيئًا وأنا أجيبهم بكلا الإجابتين في كل مرة، فلا يدري أحدهم ماذا يقول.
لكنني مررت بالعشي على جناح كبير، امتدت من طرفه يد وانبعث منه صوت: هلّا تفضلت لأحدثك عن كتابي!
لم يستوقفني من قبل كاتب ليروج لي كتابه، وشتان بينها وبين العارضين، كانت تحاول جهدها في ولع يجده الزائر في صدق لهجتها وبريق عينيها، كانت تحاول أن تقنعني باقتناء نسخة من كتابها الذي أسبغت عليه من عبارات المديح ما لا مزيد عليه لمن ينشئ له تقريظًا، كانت تحاول بلا جدوى، لأن الشاب الذي تحدثه إنما وقف حين سمع “كتابي”، ليسمع من قائلها حديثه عن تجربة الكتابة لا عن المكتوب، وهي تريد أن تبيع، فصار كلانا يسأل وكلانا يجيب، سؤالاتها من كاتب إلى قارئ، أو هي من بائع إلى مشترٍ على سبيل الدقة، وتساؤلاتي من كاتب ناشئ إلى كاتب محترف، كان كلامها: أي الكتب تقرأ؟ وماذا عن الخواطر؟ وكان كلامي: متى حملتِ القلم؟ وكم كانت الفجوة بين أول نص مكتوب وأول كتاب مطبوع؟
وكان الحل الوسط لتوحيد مسار النقاش أن تخبرني أن أحد كتبها يعلمني الكتابة! ففيه مسائل تحفز الذهن، وخواطر تثير الحسّ، وفتحته أمامي حتى صار بيننا، تمسك كفي أحد طرفيه، وبيمناها الطرف الآخر، وأقبلت تشرح لي شيئًا منه.
تفرُّس
كان في شغل عني حين وقفت عند رأسه، وقد طأطأه وأصمّته سماعات ملأ بها تجويف أذنه، سلَّمتُ فلم يرفع لي رأسه، وأعدت السلام وهو على حاله، فوكزه رجل كان بجانبه فتنبه مذعورًا،
وقال له: هذا الشاب الماثل أمامك يكلمك ولا تجيبه.
قلت: سلمتُ عليك مرتين، فرد السلام عليّ مرتين!
فقال الرجل: وأنا على ذلك شاهد.
وقلت: بكم تبيع ذلك الكتاب؟
قال: بثمانين.
قلت: أيزيد السعر بمرور الوقت؟! كنت عندك قبل ساعة وكنت تثمنه بسبعين.
فصاح الرجل: سبحان الخالق! إنك والله مثل صاحبي رائد.
فافتررتُ لكلامه عن ابتسامة خجلة.
قال: انظر يا رائد، كلامه مثل كلامك، وضحكته مثل ضحكتك.
فأخفيت ما أبديت، ورجاني أن أعود وأنا أهزّ رأسي وأزمّ شفتي.
قال: حتى الإيماءات وحركات اليد مثله.
قلت وأنا أخبئهما: إذًا أضعهما في جيبي.
قال: حتى رائد يضع يديه في جيبه!
قلت: أفهمني، ما هذا المذهب الذي تستند عليه؟
قال: نظرية أقلبها في رأسي من زمان طويل حتى أسهَدَتني، إنني أبصر الإنسان أمامي فأتفرس في هيئته وحاله، فتتمثل لي صورة لآخر أعرفه، حتى إني أتثبت من تخميني ببعض السؤالات ألقيها عليه، فيجيبني بما يصدِّق الظن.
وإن صحّ لهذا الرجل عزم، وسمع رأيي بضرورة الكتابة، لربما نرى نموذجًا مفسِّرًا جديدًا للبشر عربي الابتكار، يصنفهم في أنماط بناء على شخصياتهم. ولا أظنه منتحلًا فليس بقارئ، ولا يعرف بيركمان ولا غالوب ولا مايرز، ولا غيرها من النماذج والمقاييس النفسية.
إن بين المرتادين نوادر مستطرَفة أكثر مما وضِع على الرفوف، لذا فزيارة واحدة لا تكفي، بل لا أقل من زيارتين، واحدة للكتب وواحدة للقاء القراء والكتَبة. ولولا أنني كنت مستعجلًا لأكمل قائمتي، للحقتُ بالمتفرِّس وصاحبه وطفتُ معهما، واستنفدت ما عنده من الآراء العجيبة والنظرات الغريبة.
لص الكتب
أنهكتني عربة ما برحتُ أجرُّها من وقت الهجير، وكنت متوجهًا تلقاء الباب أهم بالرحيل، وسمعت صوتًا رقيقًا ينادي، فلم ألتفت لظني أنها تنادي غيري، فرجّعت قولها: أنت، إنني أناديك أيها الشاب.
فدنوت منها وقالت: عندنا خدمة لشحن الكتب، ننقلها إلى محلك أينما كان.
لعلها رقّتْ لي لما رأتني أهمهم من مسّ اللغَب، فقلت لها: آلآن وقد لقيت من هذه الكتب ما لقيت؟!
قالت: بارك الله لك، ونحملك معها إن أردت!
قلت: موافق! إن كنت أكفَى عناء طريق العودة، فطريقي طويل.
واستوقفني عند أبواب التفتيش رجل من المنظمين، وقال لي: لا أجيزك حتى تطلعني على ما يثبت الشراء، وصلًا أو رسالة.
قلت: لماذا؟ لست أول من يخرج بعربة غصّتْ بما حوت.
قال: مرّ من قبلك أناس يحملون مثل ما تحمل، وليس مع أحدهم وصلٌ واحد.
ما عدت أدري أعجب من الحارس أم من غباء اللص، كنت أحسب أن من يسرق يكون عنده على أقل تقدير مُسكة من نباهة، فلا ينسل ومعه ما يريب، ربما يسرق الكتاب أو الكتابين، لكن أن يغادر وقد ملأ جرابه فهذا شيء عجيب. وأعجبُ منه أن يخرج وقد وضع كل كتاب في كيس، ثم لا يلتفت له أحد من الباعة، ما عاد هذا اجتراح سارق بل عمل ساحر!
قافية
نَصِلُ العامَ ولا ننساهُمُ
وقُصارى الوَجْدِ أن نسلَخَ عامًا

