27. سنة التدوين الصعبة
نظرات ودروس
كم أنا مغرم بالقرارات السريعة عظيمة الأثر.
من ركل القطة؟
في ساعة هجير قبل سنة، كنت أعد خطة نشرة لكيان كنت أعمل فيه، ووجدت في بحثي منصات عديدة لإدارة النشرات، وكان منها سبستاك، القفص البرتقالي الجميل، ووقع في نفسي وقتها أمنية كنت أرغب فيها دون أن أعزم عليها، لكنني في تلك الساعة قررت، لأنشئنّ مدونتي!
وما كان التحضير لها إلا تجهيزًا سريعًا، لم أكلف نفسي أدنى جهد، ولم أستشرف مآلات هذا القرار الخاطف، وأنني سأرهن به سبتي كل أسبوعين، وأنني سأظهر على الهوا.
وللنفس حيل كثيرة تعوق بها الناشد عن قصده، وترِد في صورة سؤالات معترضة، متينة في ظاهرة واهية في جوهرها.
أين سأنشر؟ وماذا أسميها؟ وأنى لي تصميم هويتها؟
وهل أقدر على الاستمرار؟ وماذا لو أصبحت شهيرًا؟ كيف أعيش حياتي والأضواء تلاحقني؟
ماذا لو عجزت أن أكتب؟ ماذا لو كتبت ولم يعجبني ما صنعت؟ ماذا لو لم يقرأ لي أحد؟
ووجدت أن أحسن رد على هذه الهواجس ألا أجيب عليها أصلًا، وأن أفعل مثل الغشيم الذي يلقي نفسه إلى الميدان دون أن يتبصر في عواقب ما يصنع، فاستحضارها مثبط معيق مخذل صارف.
لكن، لا بد للمدونة من اسم وشعار، وبما أني أردت ألا أتكلف شيئًا كي أبدأ، فقد اخترت أسهل الخيارات، بل لم أفكر في خيارات محتملة، ليكن اسمها على اسمي.
ولا أخفي أنني لو توقعت استمراري لتريثت حينها لأتخير، ولو تريثت لتأخرت عن النشر، ولو أنني تأخرت لربما ضعف عزمي وتغير رأيي.
أما الشعار، فكان أقوى إثبات أنني لم أكن أحفل أبدًا بالتحضير، ما كان سوى اسمي بخط مزخرف وجدته في خطوط غوغل المجانية. وما ضاع وقتي إلا على اختيار لون الخلفية، لم أرد أن يكون أبيض يعشي العين ولا يظهر منه أدنى تفنن، لذا اخترت السكري، أو أيًّا يكن ما تسمون هذا اللون، جيد أنني قدرت على تمييز هذا اللون حتى أعرف له اسمًا، فأنا شاب بالمناسبة!
حتى وقت الإطلاق، لم أنتظر لتحقيق هدفي حلول السنة، لم أترك لنفسي خللًا تتملص منه، بل أطلقتها مباشرة.
وأسست المدونة باسمها وشعارها، وأعددت رسالات الترحيب والوداع، واستأنفت أول تدوينة، وهنا رجع إليّ السؤال الصعب: ماذا أكتب؟
كان مؤشر السطر ينبض منتظرًا، وأعانني على الانتصار على الصفحة الفارغة ملف كنت أجمع فيه الأفكار، وأستعين به في أوقات الحيرة، وزامن تدوينتي الأولى معرض الكتاب، فقررت أن أقص بعض حكاياتي فيه، إن الزيارة الواحدة ملأى بالأحداث والأخبار، فكيف وأنا لم أكتب عن زياراتي العديدة قط.
من هذا المساحة أشكر القهوة التي سكبتها، لأنني ما برحت أذكرها خجلًا وأفكر أن أكتب قصتها، وأشكر مجمع اللغة الذي أتحفني بها، والجناح الذي أغرتني منشوراته، والورّاق الذي وضع الغلاف الجاذب في رف مستفلٍ فاضطرني أن أُطرِق، وأظنكم تعرفون قصة من ركل القطة، وهو في حالتي هذه قهوجي مجمع اللغة!
التجرد والانكشاف
كنت قبل المدونة أكتب لنفسي، فإذا أطلعت عليها أحدًا لم يجاوز خاصة رفاقي وصحابي، فإذا وسعتها كانت مقتصرة على مشاركين في برنامج أو زملاء في نادٍ، فإذا جعلتها عامة النشر كانت في مضمونها تخصصية، فأنا إذًا لم أكتب أبدًا للعلن، لم أبرح يومًا محراب راحتي.
ورأيت أن صفحة واحدة تكتَب للعموم أصعب من مئات الصفحات التي خططتها في مسيرتي الكتابية، وهل تسمى مسيرة وأنا لم أخط خطوة وراء عتبة منزلي؟
لماذا كانت أصعب؟ لأن فيها تجرُّدًا وانكشافًا، ولأنني بها أقرَن إلى غيري من الكتّاب والمدونين، واكتشفت أنني إنما كنت ألهو، أو أنني ألعب في بطولة لا يشارك فيها غيري، كهاوي الشطرنج الذي يعده قومه أفضل شطرنجي في العالم وهو لم ينازل سوى بني عمه، ولا يعرف هجوم الإيطاليين ولا دفاع الهند.
ماذا يحل به لو ازدهاه الغرور فشارك في مسابقة المنطقة؟ هنالك يدرك أنه لا يعرف شيئًا، ويستوعب أن ركونه إلى مديح المقربين خادع ولا يغني شيئًا.
رفقاء ثلاثة وقيود ثلاثة
والفنان لا ينفك عن ثلاثة في رحلته: داعم، وزميل، وناقد.
الداعم يحفزه في أوقات فتوره ويذكي نشاطه بتشجيعه.
والزميل يحضه على الاستمرار باعتبار آخر، أن يقارن نفسه به، زميلي يكتب كل أسبوع وأنا أستصعب الكتابة كل شهر، فيكون هذا دافعًا أقوى من تشجيع المحب. وهو كذلك مرآة صاحبه، يتعارضان ما يكتبان، ويكون كل واحد للآخر سندًا.
والناقد أستاذ موجه، يقف بخبرته الناشئَ على مواضع النقص ويجلو له مكامن الخلل، ويثني على المحاسن، فالنقد وجهان ولا يقتصر على الذم، ويرشده إلى المصادر المعتبرة، ويعرفه على كتاب مخضرمين، ويدله على قراءات ملهمة مثرية، ويختصر عليه كثيرًا من العناء، فهو خبير مجرب خاض الغمار.
لكنه عزيز نادر، فالخبراء منشغلون بأعمالهم لا يتاح لهم وقت للإشراف والمتابعة، وما من حيلة إلا أن يتلمس الناشئ فرصة للعمل في فريق من يريد أن يشرف عليه، هنا يصير وقت المراجعة والتقويم جزءًا من ساعات عمله، ويغدو لا مفر له.
وأنا إلى اليوم الناقد الأول لنفسي، لا يعجبني كثير مما أكتب، لكنني أستحضر دائمًا القيود الثلاثة في تطوير المنتجات: المدة، والنطاق، والكلفة.
المدة هي المهلة المحددة لإكمال العمل، والنطاق هو حجم هذا العمل، والكلفة هي مقدار ما يبذل.
يصعب غالبًا الجمع بين الثلاثة، ولا بد من تثبيت قيد واحد لا تنازل فيه، وهو المورد الناضب الوحيد بينها، ألا وهو الوقت.
كانت المدة في حالتي هي وتيرة النشر التي تعهدت بالتزامها، وكانت الكلفة هي مقدار الوقت الذي أبذله على كل تدوينة، وكان النطاق هو عدد الكلمات.
ما كنت لأتنازل أبدًا عن النشر في الوقت المحدد، ولو عنى ذلك أن أغضي عن تجويد النص، لأنني بالتزامي بالنشر أرفع نفسي إلى منزلة المحترفين ولو كنت هاويًا، والجودة نتيجة تأتي بكثرة المحاولة.
وما الذي يحدد تمام العمل؟ ما من نص صنعه إنسان إلا وعليه مآخذ، النص التام الكامل غير ممكن، لذا فالجودة ليست معيارًا، وأنا أقيس الإنجاز بعدد الكلمات، وأعتبر التدوينة جاهزة إذا صارت في نطاق الحد وأحسست بالتعب، ولا أعنّي نفسي كثيرًا أن أحيط بالموضوع من كل جوانبه، ولا أن أطيل في مراجعتها وتحريرها، لأنها في صورتها الأخيرة هنا محض مسودة، ولأنني أعالج بتدويناتي نفسي من وهم الكمال.
كان هدفي أن أكتب أربعًا وعشرين، وقد كتبت أكثر منها، وأنا متفاجئ أنني كتبت كل هذا، فهو أكثر من مجموع ما نشرته في السنين الخالية. وأثر التراكم المستمر مدهش، مثل النقاط التي تجمعت فصارت سيلًا، حتى إني لا أذكر أنني عشت خمسين أسبوعًا في السنة الماضية. والحديث عن ما وفِّقت إلى تحقيقه بمراكمة السطور إلى بعضها أوسع من أن تحتمله هذه التدوينة.
الهاوي والمحترف، النابغة والعبقري
وكنت أميل إلى هجر المدونة والانصراف إلى شيء آخر.
لماذا؟ لأنني كنت أتعذب كل أسبوعين، واخترت بطبيعة الإنسان الخلود إلى الراحة، لماذا أتجشم كل هذا العناء؟ أقضي خميسي مهمومًا، والجمعة قلقًا، وسبتي جزِعًا، وأنشر النص لأرتاح منه.
وأبحرت في أعماق نفسي لأتبين الباعث على هذا الشعور، وكان أول صوت يتردد غيابُ الأفكار والموضوعات، ولكن ملف الأفكار مليء بها، أستطيع أن أستلّ منه حين أحتاج إليه.
وحتى لو افترضنا غياب الأفكار، فكيف يعجزني الإتيان بها وأنا أعيش وأبصر وأسمع، وأنا مستهتَر بالقراءة، أقرأ في العام الواحد عشرات الكتب ثم لا أقدر أن أستخلص فكرة واحدة لعرضها، إذًا يتحتم أن أتهم نفسي، فهذه مكانز الإبداع رجعت منها صفرًا، ولو أن إنسانًا ولج ملهًى لخرج منه في ساعة بعشرة أفكار.
وتوغلت لأصل إلى قرارة الأمر، وما كان خلف هذا الصوت إلا العجزُ والوجل، العجزُ عن عرض الفكرة ومعالجتها كما ينبغي، والوجلُ من نشر شيء رديء منسوب إليّ متاح للعلن.
فصرت مكبّلًا بالأفكار الرائعة التي أحس بعجزي عن معالجتها، كلما هممت بإنشاء نص عن موضوع صدني قلة الاستعداد، وكم من نص مؤجل أخرته أسبوعًا بعد أسبوع.
أهم ما يفرق بين المحترف والهاوي أن المحترف ملتزم، يستمر على اختلاف الحال واختلاط المزاج، ويسلم النص في المهلة المحددة، ونحن ننظر إلى النتاج ونغفل عن استحضار سير العمل كاملًا.
ويذكر السابقون قسمة أخرى بين النبوغ والعبقرية، فالعبقري موهوب بفطرته، مطبوع على الفن لا يكابد عناء الصنعة، والنابغة صنع مهارته بالدأب والصبر والمعالجة ، وهو إن لم يتيسر له مضاهاة العبقري في أعاليه، لم ينزل إلى سافله.
كنت أبذل أقل من جهد النابغة وأتحرى إبداع العبقري، كنت أرسل الكلام ارتجالًا ويزعجني غياب العمق فيه، والعمق لا يطلَب ابتداء، بل هو ثمرة طول المعالجة.
لا أحب أن يدعو الناس ما أفتعله هواية، لأنه عندي أكبر من مجرد هواية، وإذا كان عندي أجلَّ من ذلك فلا بد أن أكون حقيقًا بوصف المحترف، السالك طريق الإيمان يتخلق بسجايا المؤمنين، والناشد درب الكتابة يتلمس آثار الكاتبين، ماذا يصنعون في يومهم وكيف يبدعون.
قصور التقييم الذاتي
وهل يصح أن أقيم ما كتبت بنفسي، لو سلّمت أنني أجنح غالبًا إلى الذم؟
الكاتب ينشئ النص في حال، وينشره في حال، ولربما راودته الفكرة وهو في حال غير الحالين، هذا وهي نفس واحدة. فكيف بعشرات ومئات من القراء لا يدري بأية حال يقرؤونها، ولا يدرك أثرها فيهم.
كنت أنشر التدوينة وأنا لها كاره، وأجد لها استحسانًا يناقض توقعي وشعوري. وأسأل الرفاق أحيانًا عن أكثر ما أعجبهم، فأجده مغايرًا لتقديري، هل هذا هو قصور التقييم الذاتي؟
لو سألنا النقاد عن أجود ما كتب شاعر ما، ثم سألنا الشاعر نفسه، لربما كان تفضيله مختلفًا تمامًا، ولربما كان رأي النقاد في إبداعه أصدق من رأيه هو في فنه.
ولم أكن أعلم أن المدونة مما يكشَخ به، كنت أذكر في كلامي عرَضًا أن لي مدونة، فأرى الانبهار في عيني جليسي، كأنها سيارة فارهة لمحبي المراكب، أو مثل تخصص الهندسة أو الطب في محضر القبيلة.
لا أعود لشيء ما كتبت، فإن رأيت أن في بعض هذه التدوينة تكرارًا مما قلت من قبل فهو تذكيرٌ لما نُسي، وجمعٌ لما تناثر، وتهذيبٌ لما تشعّث، واختصارٌ لما بُسِط، وتفصيلٌ لما أوجز.
قافية
وأرشَفَني على ظَمَأٍ زُلالًا
ألَذَّ من المُدامةِ للنديم.
cover image by Aaron Burden. Unsplash.


جميل 🤍🤍🤍🤍🤍