29. المدوِّن الناشئ 🥳
تدوينة احتفالية
لا أظنني أنسى ذلك الدرع الذي نلته إثر مشاركتي في هاكَثون المكتبات، وأنني حملته إلى سيارة صديقي ثم نسيته فيها، وأن الله لم يجمع الشتيتين الفتى وهديتَه إلا بعد شهورٍ ممتدة. كان المستودَع يقدم علينا ثم يعود، وينسى في قدومه أن يأتي بالدرع، فظل قابعًا في مكانه حتى اكتسى بالغبار.
طال فقداني له حتى نسيت أن لي شيئًا، ولولا تذكير صديقي حين ألممتُ في الخريف لربما مكث هناك إلى الأبد.
سلّمني إياه بعد أن مسح ما بقي على هامته من أثر الأيام، ولم يكن ذلك تأدية لأمانة غير مقصودة بل توريطًا، لأنني صرت حائرًا في شأنه، كيف أجيزه من سير التفتيش دون أن يحبسه أحد.
وما كان في حقائبي متسع له، فاحتملته في كيس ومضيت به كأنني أسوقه إلى حَتفِه، والتقطت له صورة فمن يدري، قد أصل إلى وجهتي خالي اليدين منه.
حين وقفت على السير بعد انتظار طويل، وكان المسافرون فوجًا كثيرًا في صف أطول من مقطورات القطار، رفعته إلى صدري ونظرتُ إليه نظرةَ مودِّع، اعذرني فالأمر ليس إليّ، سامحني فقد أتركك هنا وحيدًا مثل المرة الأولى، لكنه فراقُ الأبد.
وضعته برفقٍ في الصينية، وما هان عليّ تركه وأنا أسمع قعقعته، كأنه يحاول إلى آخر رمق أن يعدلني عن إلقائه، حتى كدت أغطيه من كل جانب كيلا يشي بنا، اسكت… اسكت أرجوك ولو دقيقة.
أشحت بوجهي عنه وعبرت من الجهاز، واستدرت إلى الضفة الأخرى لعلي أجده، عسى أن تغشى عنه الأعين فلا ينتبهون له، وإذ به مستلقيًا ينتظرني وجوفه ينبض. اختلست النظرات يمينًا وشمالًا، والتقطته خفية وفررت!
كل هذه الإثارة لأنني سمعت أن الزجاج وما أشبهه ممنوع من الدخول إلى المقصورة، ومهما تكن صحة ما سمعت فقد كانت مغامرة شائقة.
أكتب هذه الكلمات وأنا أرمقه مطمئنًا في خزانتي شامخًا في أعلى رف، مكرَّمًا بمساحة عشرة كتب وحده في صدر الرف، وله كلمة واحدة يرددها كلما نظرت إليه: اقرأ.
تذكرت الدرع الأول بعد أن جاءتني البشرى قبل أيام بنيلي درعًا آخر، جائزة المدون الناشئ للعام الماضي من تقديم مبادرة مرجع التدوين.
وما كنت لأدري عن هذه الجائزة فأترشح لها، لولا أنني رأيت الإعلان عن إتاحة الترشح في ذيل نشرة سابقة للمبادرة، وأظن أن هذا المأخذ الوحيد على اعتزال شبكات التواصل.
وهذه أول جائزة تأتيني في الكتابة، وزادها بهاءً أن الإعلان عنها وصلني وأنا أكتب، في ساعة متأخرة، في ليلة مقمرة. وهيأت للدرع الرقمي -درع المدوِّن الناشئ- من قبل أن يصل إليّ مكانًا خاصًا في خزانتي الافتراضية.
وأغتنم وجودي على منصة المسرح لأطمئن الرفاق أنني باقٍ على العهد، ما زلت أرد على أصدقائي رسائلهم وأجيب على مكالماتهم، وأسلم وأتبسم وأحادث وأضاحك، بل وأجلس بين الزملاء وأنصت إلى كلامهم وأصيب من طعامهم. وللتو أدركت أن التواضع صعب.
قافية
أتتْه الجوائزُ مُنقادةً
إليهِ تُجَرِّرُ أذيالَها

