30. الهروب من الدائرة
حيلٌ ذهنية
رفاقَ المدونة، مبارك عليكم الشهر 🌙
كنت جالسًا في المسجد النبوي في إحدى عَشِّياتِ أيام الحج على سفرة امتدت على طول السجاد، وقد وزع عليها بعضُ الكرام علبَ الزبادي وحلقاتِ رغيف الشريك مقسمةً أنصافًا وأرباعًا، ومسحوق الدقة في وعاء دقيق مثلَ اسم ما يحويه.
وحين صدح اللحن الحجازي المطرب مؤذِنًا بوقت المغرب، أقبل الناس على طعامهم يصيبون مما قُسِم لهم، وشرعت بعد التمر والماء في نزع غلاف العلبة، وألقيت عليها قليلًا من الدُقّة، ومزجت البياض بالسواد فصار ما في الوعاء كأنه كومة ثلج في وسطها أغصان متهشمة متفتتة.
غمرتني اللذة بعد أول لقمة، وامتلأ رأسي عجبًا من طعم الزبادي، كأنني لم أذق في حياتي لبنًا قطّ.
كان باعث هذا الشعور أنني كنت صائمًا، وهذا الإمساك عن الطعام يجعل ما بعده شهيًّا أيًّا يكن طعمُه، ولأنني ألِفت طعومًا أخرى قد حُشِيت بالمنكِّهات والمحسنات ودُسِّمتْ بالدهن والزيت، فصار ما سواها مأجومًا في أحسن أحواله أو لا يستحسن، وصار يعد من أطعمة الاضطرار.
تذكرت تلك العَشِيّة بعد أن طالعتُ مقطعًا مثريًا لرجل ظريف اسمه لويس في قناته (Newel of Knowledge)، وذكر فيها حيلًا يجريها الإنسان على دماغِه ليدفعه لفعل ما يستصعبه ويكرهه.
وفي كلامه أصولٌ جامعةٌ مفيدة، أحببت أن أنقل بعضها إلى لساننا للإثراء والنفع. وقد يحسبها المطالع لأول وهلة بدهيات، وهل شاع فينا النقص والغفلة إلا من الإعراض عن البدهيات؟ ومردُّ كل التفريعات والتشقيقات إلى الأصول والكليات، وبعضها لا ينتفع به إلا من تلقاها بقلب حاضر أو أصابت منه موقعًا يؤتى منه كثيرًا، وحين يعرَض أمامه تقريرُ الأصل أو يذكَر به، أو يقدَّم له في سياق شامل، حينئذ يحصل له الانتفاع.
المهم، كفى استغراقًا أكثر مما ينبغي في الافتتاحية (:
الدماغ كسلان
أدمغتنا اقتصادية تختار فعل أسهل الأشياء المتاحة، لذلك كثيرًا ما نميل للأشياء السريعة السهلة التي نلتذ بها ونفرّ من الأشياء الصعبة.
المقطع الخاطف أمتع من المقطع الطويل، والمشاهدة أحلى من القراءة، والقراءة أهون من الكتابة، والتجول في شبكات التواصل أيسر من الاجتماع بالناس.
وطالما أن للشيء الذي نريد أن نفعله خيارًا بديلًا متاحًا أهون منه، فإن أدمغتنا -ولا بد- ستؤزنا إليه قسرًا. استحضرْ هذا في كل مرة تهمّ فيها بعمل فتحس أنه على قلبك مثل الجبل.
أرجوحة التوازن
لا أريد تكرار الحديث المطروق عن الدوبامين، يكفي أن أذكر أنه الهرمون المرتبط بمكافأة الدماغ على الإنجاز، وعلى توقع ذلك الإنجاز.
ولهذا الهرمون مقدار محدد يطلقه الدماغ، وأدمغتنا تحب التوازن، فإذا أسرف أحد منا في الإنفاق منه، عاقبه بقلب ذلك الشعور عليه، فيتحول من تلذذ شامل إلى ألم عارم، وكلما اتسعت درجة اللذة اشتدت درجة التوجع، وكلما كانت اللذة سريعة، كان انقضاؤها أسرع.
وعندئذ يضطر الدماغ إلى قلب منحنى الشعور من لذة إلى ألم ليحقق التوازن، فنمسي أدنى المنحنى، وتنقشع غمامة النشوة الزائفة، ونظل نصارع أفكارنا وهواجسنا، بعد أن فَنِيت اللذاذةُ ممن نالَ صفوتها.
شبكات التواصل مثلًا تغمرنا بشعور زائف بتحقيق الحاجة الاجتماعية والإحساس بالاهتمام، واللذة فيها سريعة، لكن ما إن نغلق التطبيق حتى يسيطر علينا شعور بعكس ذلك تمامًا، فنحس بالكآبة والوحشة.
ويحس الإنسان أنه صحا من بعد غفلة، ويتلفت حوله ليرى الأفذاذ قد سبقوه، فيهمّ بمحاولة يائسة وهو في قعر المنحنى، محاولة يائسة مردها الإخفاق حتمًا.
المدمن على المقاطع الخاطفة حين يعتريه السأم من كثرة التقليب، لن يقرأ كتابًا ولو حاول. وما ذلك لنقص في عزيمته، لكنه في اللحظة التي يتهيأ فيها للعمل يكون خائرًا ذهنيًا.
ويأتي بعد هذا الإخفاق المتوقع إحباط مطبق، مؤلم، مزعج، مخيف، ويقرر أن يفر من أفكاره إلى ما كان سببًا في عنائه، لأن هذه المواد رخيصة مسلية، فيتداوى بالتي كانت هي الداءُ.
وهكذا، يعلق في هذه الحلقة المفرغة، من لذة سريعة إلى يقظة قصيرة، فيها مقارنة بمن حوله ومحاولة وإخفاق وإحباط.
الهروب من الدائرة
إنهاء الحلقة ممكن بقطع أحد أجزائها، وبما أن النتائج المترتبة تبعٌ للمقدمات، فأول ما علينا فعله أن نكتشف مصدر الدوبامين الرخيص الذي نتعاطاه كل يوم، ونتخفف منه بالتدريج، فالقطع شاقٌّ، ولا نريد أن يترسخ عندنا أننا نتعذب بالشيء الذي ينبغي علينا فعله، فيظل يشعر الواحد فينا أنه أبدًا يتعنّى. التخفيف ولا القطع، وأحسن أن يكون التخفف بتقييد هذه الأشياء بوقت أو شرط.
والهدف أن نرفع درجة أرخص دوبامين متاح ليكون أمرًا نافعًا مفيدًا. ولو جنحت النفس إلى التراخي، كان أسوأ خيار متاح شيئًا جيدًا.
من النعم التي أشكر الله عليها أنني لم أخض في المحتوى الخاطف مثل تكتوك وشورتس. وأرخص دوبامين عندي في هذه الفترة من حياتي هو اليوتيوب بمقاطعه المتوسطة والطويلة.
حين يتعين عليّ إنجاز شيء مثل كتابة تدوينة جديدة، أمنع نفسي من المشاهدة حتى أتمّ التدوينة وأجدول نشرَها. وقد تعجبون حين تعرفون أن من الناس مَن أرخص دوبامين عنده هو القراءة! هذا يعني أنه يتهرب بها عما هو أثقل. ولربما مرت عليكم فترات كنتم تفرون منها إلى شيء في ثقل القراءة مما هو أثقل منها مثل الامتحانات.
قلب المنحنى
المنحنى الذي ذكرته له انعكاس مطلوب، بالانطلاق من الألم إلى اللذة. لعظائم الأمور مشقة جسيمة، لكن يعقبها راحة وامتلاء وتلذذ.
الرياضي يتألم وهو يقطع الأميال جريًا ويرفع الأثقال، لكنه يستعيض عنها بنشوة رائعة تدفعه لأن يعود مرارًا ويكرر الأفعال المؤلمة ليستعيد بها الشعور العاقب. كل ما علينا -بعد الاستعانة بالله- أن نحسن إدارة مخزون الدوبامين، فيكون إنفاقه نتيجةً لإنجاز يستحق، من الأمور التي نطمح أن نصنعها.
ولو افترضنا أن الأمرين سواء، وماذا يعني أن تسبق اللذةُ الألم أو يسبق الألمُ؟
لكل شيء نصنعه ونألف صنعَه عواقب، ونحن لا نحصد إلا ما غرسنا، ليس الشأن هو تجاوز الكآبة الجاثمة، ولا إرهاق الجسد بالأعمال، هذه كلها أحاسيس مؤقتة عابرة، وإنما الشأن كله في العواقب.
الرفق بالنفس
إذا كنت تقرأ هذه التدوينة وأنت عالق في الحلقة بعد أن تشبع ذهنك من اللذات العابرة، فأحب أن أذكرك أن ترفق بنفسك، لأن استعادة الضبط تتطلب بضعة أيام، حتى يعود الدماغ إلى حالة التوازن، فالمحاولات ونحن في أدنى المنحنى ليست مجدية غالبًا.
وهذا الموسم العظيم فرصة لاستعادة ضبط المصنع.
قافية
إليكَ وإلا لا تُشَدُّ الرَكائبُ
ومنكَ وإلا فالمُؤمِّلُ خائبُ
cover image by Boxicons. Unsplash.

