31. خلوة
استحدثت قبل بضع سنين عادة الاعتزال في العشر الأواخر، وما كنت أظن أن أحدًا سيفقدني ويسأل عني، لذا اختفيت دون أن أخبر أحدًا، ولو كنت أعلم أن لي هذه المنزلة العليا عند بعض الصحاب لربما تعمدت أن أختفي لكي يسألوا عني (:
كنت في تلك الفترة أشعر أنني تلطخت بأوحال الشؤون اليومية التي لا تنقضي، وأن رمضان كان يتصرم دون أن أشعر به، بل كانت أشهر السنة كلها تطلب بعضها تباعًا في سرعة خاطفة تحرم الإنسان من الشعور بوقته ويومه، ويتأكد هذا في الأوقات العظيمة الفاضلة.
فبدا لي أن أنقطع عن الناس وأخفف التواصل قدر الإمكان إلا للضرورة، وأقطع شبكات التواصل كلها. وكان تركيزي على التواصل لأنه كان أكثر ما يضيع به يومي.
وما صدح صوت المؤذن لأول مغرب من العشر، إلا وقد أسدلت على نفسي ستارًا حاجبًا، بالحذف والإخفاء والكتم. وبقيت أتقلب من السأم، قرأت حتى أجِمتُ القراءة، وكتبت حتى أوجعت يدي، وظللت أستمع لبعض المواد، وصار يعجبني مطالعة الغرائب، وولعت باستكشاف الكتب الجديدة، لأنها كانت المتنفس الوحيد الذي سمحت به لنفسي، وأن أرى ماذا يقرأ الناس.
وكانت تتملكني في أول الأيام أحاسيس غريبة هي أعراض انسحابية عن هذه العلائق، أشدها الرغبة العارمة في التصفح، وكانت تسري في الجسد كأن المرء لم يكن يستمع ويشاهد ويراسل، بل يحقن نفسه بالمواد الإدمانية، وهو الآن يطالع سماء الغرفة مستلقيًا، ويعبث بشعره ويشده ويقلب جنبه، ويقوم ويقعد ويدور في المكان. ويرفع الجوال ويسحب ليعرض مركز الإشعارات، هل كتب إليّ أحد؟ ويتذكر من فوره أن الإشعارات مغلقة فلا معنى من هذا السلوك، لكنه يكرره أكثر من مرة في لياليه الطويلة الأولى.
وتمسي الليلة طويلة جدًا كأنها لا تريد أن تسري، كأنها من ليالي امرئ القيس التي شُدَّتْ نجومُها بجبل فهي ثابتة لا تتحرك. كنت أشكو قلة الساعات وأنا الآن أشكو طولها.
ولأني لم أكن تام الاستعداد، فقد تقتُ في لحظات كثيرة إلى الخروج من هذه الفترة التي احتجزت بها نفسي، وصوت بداخلي يصرخ: متى يهلّ العيد؟
وعلى أني لم أبرح تكرار هذه التجربة كل عام، فهي مثرية مفيدة دائمًا، لكنني لا أذكر أني استعددت لها وتجهزت، أو أنها كانت خفيفة على قلبي، كانت تهون في أعوام وتثقل في غيرها، وكانت تحلو في ليال وتمرّ في أخرى، تبعًا للمزاج وجدول تلك الليلة، وما سبق دخول المحراب مما كنت أصنعه.
ولا أخفي أنني ترددت كثيرًا في الحديث عن هذا الأمر والعالمُ مضطرب والخطبُ جلَل، ليس هذا وقت اعتزال الأخبار والأحاديث، أليس كذلك؟ ثم أعود فأقول لنفسي إن هذا وقته، إن لم يكن الآن فمتى إذًا؟ ولست أكتب لكي تنتهي صلاحية النص بعد يوم الأحد، أكتبها لي ولكم ولمن بعدي، لموسم هذا العام وبقية الأيام وللأعوام القادمة. ولو كانت هذه نهاية العالم، فهذه فسيلة أغرسها.
كان الباعث الأساسي عندي هو التخفُّف من العلائق، أن أقف عن كوني رهينًا لشيء أو لأداة أو لعادة أو لشخص، فأستعيد التحكم بحجرة القيادة.
وأن أعيد النظر إلى حياتي بالمحاسبة والمراجعة، كيف كنت أعيش، وفيم كنت أفني وقتي، وما هي الأفكار والهواجس التي كانت تغلب عليّ، وما هي الواجبات التي قصرت فيها، كانت هذه الأيام القليلة ساعةَ المحاسبة بالنسبة للسنة كلها.
وحتى لو لم أصنع شيئًا سوى اعتزال الناس في الواقع والعالم الافتراضي، ففيه فضائل عديدة وإن كان في تعريفه عدمًا، فعدم الفعل كالفعل، لا سيما إن كنت أذود به نفسي عما قد يجرح وينقص.
إن لم ينشط الإنسان للاستكثار من العبادات، وسعه الصمت في بيته، وهو ضامن بذلك ألا يؤذي أحدًا ولا يعين على مأثم، يتسامى عن الفُحش والهُجْر، ويخلِّي نفسه لتتهيأ للعروج في مدارج المكارم.
وأود هذه المرة أن أجرب الخلوة التامة عن العالم، مثل التي قبلها إلا أنها تزيد من إحكام سد الثغور، بالحِمية عن كل شيء سوى مكتبتي ودفاتري.
وقررت أن أغير التسمية، فللألفاظ مدلولات مُناطة بها، ولهذه المدلولات آثار في النفس مرتبطة بالتجارب السابقة. هذه المرة هي خلوة وليست عزلة، وهي فرصة وليست تحديًا، وهي فسحة وليست قيدًا.
والمشترك الواضح في كل مرة لمن جرب الخلوة بأي صورة من صورها، أن للعيد بعدها لذةً أعظم.
وهذه تلويحة وأنا على باب محرابي، لعلي ألقاكم بعد العيد -إن شاء الله-، وكلنا في خير وعافية وسلام.
قافية
وأخرجُ من بين الجلوسِ لعلني
أحدِّثُ عنك النفسَ بالسرِّ خاليا
Cover image by Bruno van der Kraan on Unsplash.
