32. مطالعات
جولة على كتب مقروءة
رفاقَ المدونة، كل عام وأنتم بخير🎈
أنا محبَط قليلًا بعد هذا المهرجان، لا مهرجان العيد بصبيحته الحلوة ولياليه المؤنسة، بل لمهرجان القراءة الذي غرقت فيه في أيام خلوتي وما بعدها.
كانت توقعاتي من غنائم المعرض الماضي أعلى بكثير من الواقع، حتى إني صرت أرضى منها بإثارة الفكر وحث الشعور، وأقول في نفسي لكل كتاب ألهذا جمعتني وأجلستني؟!
فأنا محبط من اختياراتي، اغتررت ببعض الترشيحات فلم أكلف نفسي عناء التفتيش، وخدعتني بعض التقريظات، كانت تشي بروضة مزهرة عبقة الأريج، وإذ بها زهرة واحدة في أرض هامدة.
بعضها كان خاويًا، فارغًا، فارغًا من اسمه مثل هذا الكتاب السخيف المضمون المستفز العنوان (مت فارغًا)، وأنا لا أدري متى أتوب، متى أتوب من قراءة كتب التطوير، استغنيت عنها بالملخصات الجامعة والمقاطع المختصرة، لأنها في معظمها غُثاء، وهذا الكتاب الأصفر مثال ممتاز للتعبير عن الرداءة في التأليف والمضمون.
وهؤلاء الكُتّاب -كتاب التطوير من الأمريكيين تحديدًا- بارعون جدًا في صنع شيء من العدم، وفي تحويل فكرة واحدة صغيرة تكفيها ورقة مقصوصة إلى كتاب دسم المتن متعدد الأبواب والفصول، يحمِّضونه ويتبّلونه بالقصص الممتعة -أحيانًا-، وهم في بداية كل فصل لا ينسون التذكير بما قبله، كأنها حلقات أسبوعية منفصلة لا فصول متجاورة.
والصدق أن ما استفزني أكثر هو سوء التحرير بل غيابه في النسخة التي عندي، من نشر دار (صفحة سبعة)، فما أكثر التصحيفات والزلات، كثرت حتى إني اشمأززت مرة من تكررها ومن قُبحها فأمسكت كل شقّ منه بيد وهممت أن أمزقه، واستكثرت عليه أن يحتل مساحة في خزانتي، ولو احتجت إلى مكان فهو أول الضحايا.
فكرة الكتاب الجوهرية ألا نموت وفي أنفسنا أمنية أو مطمح لم ننله ولم نسع إليه. هذا هو الكتاب، أغنيتكم عن إهدار الوقت والمال والمساحة في مثله.
لا أنكر أن في ثناياه بعضَ الأفكار التي استوقفتني، لكنني تجرعته صفحة صفحة، ولعلي به أستهل توبة ناصحة من اقتناء كتب التطوير وقراءتها، توبة.
ثم جثم على قلبي كتاب آخر، صغير في حجمه قصير في فصوله، عنوانه (رسائل إلى شاعر شاب)، مجموعة رسائل تلقاها شاب كان يراسل كاتبًا نمساويًا اسمه راينر ريلكه، يستنصحه في الفن والشعر والحياة، لكنه أثبت رسائل الرد من ريلكه ولم يضع رسائله، فكان بعضها مقتطع السياق، وهذا أمر ليس بمستغرب في أدب الرسائل، كما جمعت غادة رسالات غسان ولم تضع رسائلها.
وقراءة مثل هذه الرسائل تجعلني أشعر أن ما يكتبه الواحد فينا جدير بالنشر حتى ولو كانت من دردشة في واتساب! وهذا يجعلني أتساءل: هل قيمة الرسائل كامنة فيها فكرًا وبيانًا وتأريخًا؟ أم أن قيمتها من قيمة مرسلها؟ وهذا يشمل الكتابات الذاتية بشتى ألوانها وفنونها.
هل كنا لنقرأ لريلكه لو لمن يكن هذا اسم كاتب أوربي ذائع الصيت؟
هل كنا لنهتم بمطالعة ما خطَّتْه مي فيما عبر عنها الناشر بأنها رسائل خالدة؟
وبعضها من قبيل: كيف الحال؟ حالي تسر فكيف أنتم؟ كيف الصحة؟
وللمؤلف سطوة ذهنية على الناقد لا تنكَر، ومن هذا التقديس ما يكون للأقدمين، كما اضطر الجاحظ أن ينسب بعض كتاباته إلى أدباء كانوا قبله ليسير عنه ما كتب، وصرنا من بعده ننسب إليه ما نكتب.
ذكر الكاتب عديّ الحربش في لقاء أنه وضع على الجاحظ فقرة أنشأها ممازحًا أصحابه عابثًا، أحاطها بعلامتي الاقتباس وذيلها باسم كتاب واختار لها مجلدًا وصفحة، وسأل أصحابه فانبروا شارحين ومعلقين، ثم كشف لهم مزحته فانقلب كلامهم عن نفس النص الذي كانوا عنه راضين ومادحين إلى الذم والتنقيص.
أعود إلى ريلكه ورسائله، أعجبتني فقرات من الرسائل الأولى التي كانت عن الكتابة، لا سيما فقرة كان يتحدث فيها أن محاولات الإبداع الأولى لو لم يخرج منها الناشئ إلا بمعرفته أن هذا الفن لا يصلح له لكفاه، لأنني منذ حملت القلم كنت أسمع صوتًا في داخلي متفاوت الحدة، أنني إنما أكتب لأكتشف إن كانت الكتابة تصلح لي، لأستيقن ما إذا كنت لأكون كاتبًا، وهل لأحد أن يحظى بترف هذا اليقين؟
وألجأتني تلك الخيبات إلى كتاب (صَنعة الكتابة) لفتزجيرالد، واكتشفت بعد فتحه أنه لم يكتبه، بل كان مجموعة مقتطفات له عن الكتابة والتأليف، جمعها المحرران من لقاءاته ورسائله ورواياته، مثل مصنفات الدكتور عبد الرحمن قائد، إلا أننا نحب إطالة الحديث.
معظم ما في هذا الكتاب اللطيف فقرات لا تزيد عن الأسطر الخمسة، وكان هذا الكتاب عزاء وتسلية مقارنة بما مضى، ألهمني بأفكار مختلفة، ولا أريد تفصيلها الآن لأنني أريد إفرادها بحديث مستقل.
سألوا فتزجيرالد مرة: ما الذي دفعك للكتابة؟
فقال -بتصرف-:
في يوم من الأيام، أخذتُ أقرأ أحد الكتب وأنا مسافر في القطار من نيويورك إلى واشنطن. بعد أن انتهيت من قراءة أول مئة صفحة تقريبًا، قلت في قرارة نفسي: لا شيء يمنعني من أن أصبح مؤلِّفًا إذا كان هذا المرء قد نجح في ذلك، فقد كانت كتبه سيئة للغاية. (:
قافية
وإنْ عِشنا لشوّالٍ
أعدنا ذلك العهداCover Image by Ogie on Unsplash.




