33. الذَود عن الحوض
ملَكات الإنسان في مجابهة قدرات الاصطناعي
لطالما كرهت الاصطناعي والحديث عنه، وصممت آذاني عن دعاته والمبشرين به، وكنت ومن على رأيي نعترض ونسفِّه ونقلل منه، كنا نراها حملة دعائية ضخمة تقوم على الترهيب لدفع الناس إلى استعمال أدواته إلى أن يعتادوا عليها، ثم يتحول الاعتياد إلى الاعتماد فلا يعود بإمكانهم أن يتخلوا عنها.
لم أزل شديد التمنع على صانعات البرامج، لأنني كنت أحسب أنها خديعة تسويقية، وأنها على الواقع أضعف بكثير مما يزعمون، حتى أغراني أحد الزملاء باستعمال أداة موجَّهة للمطوِّرين لتسهيل عملهم، فهي للمتخصصين دون غيرهم.
وحين جربتها علاني الذهول، كانت تختصر عمل يوم في ساعة، وعمل أسبوع في يوم، ولم يكن عليّ سوى التوجيه والمراجعة والتثبت، كأنني كبير قوم ليس عليه سوى الإشارة فيسارع من بحضرته في أمره.
وفكرنا أن نستغل هذه الأداة إلى حدها الأقصى، هلّا نبني برنامجًا كاملًا باستعمالها، وتأهبنا ونقرنا على زر العداد وانطلقنا، أو لأكون دقيقًا فهو الذي انطلق وكنت أشجعه من ورائه، وأشتمه إذا قصّر أو حاد عن الجادّة التي رسمتها له، وإذا أخطأ كررت عليه حتى يصلح ما أفسد.
وفي يومين، صار بين أيدينا تطبيق جاهز للتجربة، وإذا قدّرت الوقت الذي كنت لأصنعه فيه مقارنة بالآلة، أظنني كنت لأحتاج إلى أربعة أسابيع ربما.
كان ذلك أحسن أسبوع من ناحية الإنجاز منذ التمست طريق هذا الفن. وكان ذلك أسوأ أسبوع.
فكيف يجتمع الحُسن والسوء؟!
صحيح أنني وفرت أيامًا كثيرة بقليل جهد، لكنني خشيت على حوضي الثمين أن يؤتى جنابه ويهدَّم، وما عاد يعنيني هاجس الاستبدال، ولا أبالي بمسألة الإنجاز، لأن ما كنت أنفقه أعظم بكثير مما كنت أناله، كالدوبلير الذي يطلب منه تأدية المشاهد الخطيرة مقابل ثمن سخي، لكن سقطة واحدة خطيرة قد تودي به.
كنت شيئًا فشيئًا أفقد ملَكة من أخطر ما يوهبه المرء، كنت أفقد قدرتي على التعلم وعلى التفكير، وتلك مصيبة كبرى.
وحتى يتضح مقصودي، وجدت أن المبرمجين في استعمال الاصطناعي على درجات:
درجة الاستعانة
الدرجة الأولى هي استعماله مساعدًا، فيكون أشبه ببحث غوغل لكنه بحث مطور يغني عن تصفح عشرات الصفحات والمواقع لمعرفة أمر أو حل مشكلة.
وقد لا يعلم كثير منكم، لكن أكثر عملنا بحث وقراءة، ولا مكان للحفظ عندنا، إذا أردنا عمل شيء بحثنا عن طريقته ونسخنا قطعة النص البرمجي التي نجدها، أو نعود لمشروع سابق ونأخذ منه ما نريد.
فدخول الآلة هنا يسرِّع العمل ويخفف التعب، لكنها طريقة واحدة إلى حد ما. كنت أعيش في هذه الدرجة إلى وقت قريب، ولا يبرح تبويب جيبيتي جهازي.
درجة التوجيه
والدرجة الثانية هي التوجيه، مثل الطيار الآلي في الطيارات، وهذه الدرجة التي كنت أجربها في الأيام الماضية، لا يستعملها إلا متخصص ولا تقوم وحدها، لكنها تؤدي جُلّ العمل. والأداة التي استخدمتها اسمها أنتغرافتي (Antigravity).
والفرق الجوهري بين هاتين الدرجتين أن الآلة في درجة التوجيه تطِّلع على ملفات المشروع البرمجي وتقرأ كل سطر فيه، وتعدل فيه وتزيد وتحذف، وعلى المبرمج توجيهها ومراجعة تغييراتها واعتمادها.
فقد أطلب منها أن تنشئ قسمًا لإرفاق الصور، وبعد دقائق أجد ما طلبته قبل أن أعدل وضعية جلوسي، كل شيء كما طلبته، وكل تغيير موثَّق فأعرف كل سطر كتبَتْه وموضعَه وأثرَه وما إذا كان زيادة أو نقصانًا، والنسخة التي تسبق هذا التعديل. وميزة تتبع النسخ هي الميزة الفارقة بعد ميزة الاطلاع الكامل على ملفات المشروع.
وبذلك، ما عدت بحاجة لاكتشاف الخلل بنفسي، إنما عليّ تجربة ما طلبت صنعه…
فيه خلل؟ عدِّل.
ما زال الخلل؟ عدل مرة ثانية!
الخلل على حاله؟ إلى متى؟!
أذكر ميزة طلبت منه تعديلها عشر مرات حتى صارت تعمل، وأنا أتفرج عليه أو أتلهى بأي شيء حتى يتم عمله.
درجة التوكيل
والدرجة الثالثة -ولم أجربها- هي درجة التوكيل، مثل مصانع البرامج التي شاعت في الآونة الأخيرة، وهي موجهة لعموم الناس. كل ما تحتاجه وصفٌ للبرنامج المطلوب وهي تتولى صنعه كله دون أن يدري السائل ماذا يجري وراء بهرج الواجهات. وبذلك يستوي المتخصص والعامي.
وكل درجة من هذه لها مساوئها، فدرجة الاستعانة تدعو للكسل وتضعف من القدرة على التحمل، ودرجة التوجيه تفقد ملَكة التعلم، ودرجة التوكيل تؤدي إلى انقراض الفن.
لماذا أتعنى لتعلم مهارة أو تقنية أو أي شيء إذا كان ثمة أداة تصنع ما أريده؟
ولماذا أبحث عن حل إذا وجدت أمامي أداة تبحث عن المشكلة وتحلها؟
في ذلك الأسبوع الخطير لا أذكر أنني تعلمت حرفًا واحدًا، لأنني كنت عالقًا في الدرجة الثانية، وحين صحوت من نشوة وصولي إلى تلك القدرة الخارقة، قررت بدلًا من الاعتماد عليه لإراحتي أن أتخلى عنه، في تجربة خاصة نستعيد فيها ما فقدنا ونصون القليل الذي بقي لدينا.
اتخذنا قرارًا غريبًا يبدو عنادًا وتطرفًا، قررنا أنا وصاحبي أن نتعلم تقنية جديدة بشروط أصعب من شروط البخاري، نمتنع فيه عن استعمال أدوات الاصطناعي تمامًا، كأنها لم توجد وكأننا ما زلنا نعيش في العشرية الثانية من هذا القرن.
وشرعنا الأسبوع الماضي في هذه الخطة، ولا أخفي أن الأمر كان عسيرًا، لأنه كان يتضمن فرارًا من دائرة علقنا فيها بضع سنين، فحتى الاستعانة كانت ترين علينا طبقات من الكسل والملل وانعدام الصبر، كنت أنازع الرغبة الملحة في مراسلة الآلة ومشقة التنقيب عن أسخف الثغرات. وفوقها إصرار الزملاء المعارضين لهذه الفكرة.
وأكثر ما يقولونه إذا جئتهم مستشيرًا “طيب، اسأل جيبيتي”، ثم يتذكرون فكرتي وقيودي فيتراجعون.
وإذا سئموا من سؤالاتي قالوا: “يكفي أنك بحثت ولم تجد، هذا يعد تعلمًا، تقدر تراسله الآن”.
وأنا في كل مرة أردد: لا لا!
كانت الآلة مني على بعد بضع نقرات، ولكنني كنت أختار في كل مرة أن أمضي ساعات في الدراسة والاستكشاف والمراجعة والتفتيش والتصويب، وتتضاعف تبويبات المتصفح بين مقاطع ومواقع. ورجعت إلى عصر ستاك الزاهي، إلى منصة المبرمجين العتيقة الأولى، أيام كان مثابةً لا ينفك عنها كل مطوِّر، وأيام كان بعضهم يطبع عرفانًا وامتنانًا شعار المنصة (Stack Overflow) على قميصه يوم تخرجه!
قد لا تطول هذه التجربة، وقد يعتبرها بعض من يسمع بها جمودًا ومكابرة، وقد لا يكون اتخاذها في هذا المسلك صائبًا، لكنها من اسمها مجرد تجربة، وأشعر أنني بها أستعيد شغف التعلم، ويعود بها العلم مقصودًا لذاته.
ولعلي أكتب عن تحديثاتها لاحقًا.
قافية
أتَحِنُّ من شوقٍ إذا ذُكِرَتْ
نَجْدٌ وأنت تركتها عَمْداCover Image by Zach M on Unsplash.

