34. خزانة ورف وطاولة
عن ترتيب المكتبة
«أجّرَ معارفُ منزلَهم بضعة أشهر لمصمّم ديكور، ليكتشفوا حين عودتهم أنه أعاد ترتيب مكتبتهم بالكامل وفقًا لحجم الكتب وألوانها... بعد ذلك بفترة وجيزة لقيَ حتفه في حادث سيارة.
أعترف أنه عند سماعنا القصة، أجمع كل الجالسين إلى طاولة العشاء على أن العدالة أخذت مجراها.»
آن فاديمان
حين حظيت بخزانة كتب تخصني وحدي، احترت في الطريقة التي أود ترتيب كتبي عليها، ولم يفاجئني بعد البحث والتجول في مكتبات الآخرين إلا أن هناك من يرتب كتبه على ألوانها وأحجامها كما ذكرت آن.
وصحيح أن الخزانة زينة باهية تجمِّل المرء عند زائريه كما يتجمل أمامهم بأناقة ملابسه، لكن هذه فائدة فرعية وليست أساسًا لاختيار طريقة الترتيب، فإننا نرتب المكتبة لنجد الكتاب المنشود عند الحاجة إليه، لا على الصورة التي نحب أن ننظر فيها إليها.
أو يصير حالنا مثل المازني -وهو المولَع بالفوضى- وكان إذا أراد كتابًا من مكتبته اقتنى نسخة جديدة منه، كيلا يضطر إلى البحث بين الأكوام.
«وقد كانت النتيجة أن المكتبة صارت مكتبةً (شَكْلًا)، أعني أني لا أكاد أدخلها؛ إذ كان العثور على كتاب يتطلَّب من الصبر وطول البال ما لا قِبَل لي به. ومن أجل هذا صرتُ إذا احتجتُ إلى كتاب أشتريه مرة أخرى، وأرى ذلك أسهل وأقلّ عناءً من الوصول إليه في مكتبتي.»
أتبع الآن نهجًا هجينًا في الترتيب، الطريقة المثلى السهلة الواضحة هي في التقسيم بناء على التصنيف: أدب، روايات، سير، وغيرها. وبها أعرف الموضع الذي أبحث فيه إذا أردت شيئًا.
وعندي ثلاث درجات من التخزين: الخزانة، وهي المرجع الأول والأخير لكل كتبي. وبجوار الخزانة رف مفرد، خصصته للقراءات التالية، وما أود العودة إليه ومراجعته، وديوان مختار يصاحبني. وأعتبر وجود كتاب على الرف علامة على جدية اهتمامي به، وتذكيرًا مستمرًا بأنه ينتظرني.
وعلى الطاولة القراءاتُ الحالية، أقرّبها لأسهل تصفحها وهي عند مستقر عيني إذا جلست، كأنها تصيح بي: اقرأني.
وهذا النهج يشبه التقسيمة المعروفة في تطبيقات القراءة، لم أقرأه، أقرؤه الآن، انتهيت من قراءته.
لكن رفِّي المفرد حالة خاصة لا يسعها هذا التقسيم، والخزانة شاملة على القسمين الأول والآخِر.
ومن ينظر إلى خزانتي يستطيع فهم منطقها بسهولة، ما عدا صفًّا واحدًا فريدًا لا يمكن تفسيره بالنموذج العام للخزانة، فكل صف فيها مخصص لفن من الفنون، وقد أجمع فنين معًا في صف واحد.
أضع في هذا الصف المتفرد مقتنياتي الحديثة من المعرض ومن غيره، وأتبع فيه نهج كانبان، كلما فرغت من كتاب نقلته إلى مكانه، وفراغه يمدني بشعور الإنجاز، ويعلمني بالحاجة إلى جولة جديدة.
ودون هذا التقسيم الخارجي الهيكلي تصميم داخلي، والشيء الوحيد الذي أميل فيه للترتيب بناء على المظهر إذا استوت معايير الترتيب الأولى، هنا أحب تماثل المتجاورات في السمة والحجم، وأكسر الألوان المتقاربة من أجل التباين.
وللأسف، ولا أدري إن كنت صادقًا في الأسف، لكنني لا أتخلص من أي شيء عندي، حتى ما كان منها سيئًا رديئًا وكان يستحق أن يلقى في الموقد، وأزيد عليها ما رغب عنه من حولي وأرادوا رميه، وفيها ما يتصل باهتمامات تخليت عنها، وما لن أقرأه ولو انتهت كل كتب الدنيا.
لكنني إذ رأيت المساحة تتقلص، والقوائم المنتظرة تتضخم، أجدني في اضطرار إلى التصفية والتهذيب، وأن أتناول مقص البستاني مثل صديقي، وما أقوى قلبه.
حققت أحد أمنياتي بدخول مكتبة خاصة تحيط بي خزائنها من كل اتجاه، آلاف مصفوفة على أرفف متقابلة ومتصاعدة. والمرء هنا يدور في خلَده أحد السؤالين، إن كان من الجافين للقراءة قال: هل قرأت كل هذا؟!
وإن كان قارئًا سأل مثلي السؤال الآخر: كيف ترتب مكتبتك؟
أجابني: “ما عندي نظام! لكنني أعرف مكان كل كتاب منها.”
خزانتي بالنسبة إلى مكتبته لا تمثل إلا أقل من عشر العشر، ومع ذلك لا أعرف على وجه الدقة أين ما أريد، قصاراي التقريب، أستحضر العنوان وأستذكر التصنيف، وأقترب شيئًا فشيئًا حتى أصل إليه.
مضيت معه في تطواف على الرفوف، كأنني في حضرة دليل سياحي، لكنه دليلٌ يملك مدينته. اكتشفت في أرجاء مملكته منهجيات جديدة لم تخطر ببالي.
رأيت الرفوف التي تجمع مؤلفات الفن، والأعمال الكاملة لبعض المؤلفين، والدراسات المحيطة بكاتب ما، والرفوف الحاوية لزمان ما.
وكل قارئ ورّاق مكتبته، وله نظامه الخاص الذي لا يفهمه أحد غيره، وإدماج مكتبتين أصعب من التوفيق بين قلبين.
انتظرتْ آن خمس سنين لتقرر هي وصاحبُها جورج توحيد مكتبتيهما، وكادت هذا المحاولة تودي بالعلاقة كلها.
«حصل موقف مزعج جدًا وهو ينقل مجموعتي من أعمال شكسبير من خزانة إلى أخرى حين هتفتُ:
-احرص على ترتيبها زمنيًا.
-تقصدين أننا سنعتمد ترتيبًا زمنيًّا ضمن مؤلفات كل كاتب أيضًا؟! شهق. لكن لا أحد يعلم بالضبط متى كتب شكسبير مسرحياته.
-من المعروف أنه كتب (روميو وجولييت) قبل (العاصفة). أريد لهذا أن ينعكس على رفوفنا.
قال جورح إنها كانت إحدى المرات القليلة التي فكر فيها جديًّا بالطلاق.»
وألهمتني بفئة جديدة اقتبستْها من صديقتها، فقد جمعت مؤلفات أصدقائها ومعارفها معًا، وهذا ارتباط حميمي مثل التقاء الأحباب، كما قالت: «إن وجود كل أولئك الذين تحبهم مجتمعين حولها يمدها بشعور طيب.»
لعل هذا ما يدعوني إلى تشجيع الرفاق على التأليف، ما عندي مما يدخل في هذه الفئة سوى كتاب واحد. ربما أجرب فئة قريبة منها وهي فئة الإهداءات.
وفي كل المنهجيات المعتادة يكون النظر لفحوى المادة وموضوعها لا لأثرها ونفاستها، لماذا لا نستحدث فئات جديدة فيها نظر إلى الذات وفيها حياة وروح؟
مثل الإهداءات، فهذه النسخ قيمتها من قيمة مهديها، ومثل الكتب المزلزلة الفارقة، التي لم أعد فيها كما كنت قبل قراءتها، كأنها فصل بين مراحل الحياة.
وإذا كنت لا أريد التخلص من الكتب المخيِّبة، لماذا لا أجمعها معًا لأشهر بها، فأنفيها إلى ركن قصيّ عقابًا لها.
وأين ما ينسَب إليّ من كل هذا؟ لماذا لا أطبع مسوداتي ومحاولاتي المطولة، حتى يأتي اليوم الذي أهدي فيه نسخة من كتابي الأول إلى نفسي.
وأين قائمة الشرف؟ أين جائزتي الخاصة المستوحاة من البوكر؟
قافية
وأَلوفٌ فلو أفارقُ بُؤسًا
لتوالتْ لفَقْدِهِ حَسَراتي*الفقرات المقتبسة عن آن مستفادة من كتاب (الظل والحرور).
Cover Image by Ü Lõ on Unsplash.

