35. صوتٌ حائر بين الحروف
في تعريب (G)
لعلكم لاحظتم أنني أكتب غوغل بحرف الغين، وأظنكم قد رأيتم اختلاف الكتاب والناشرين في تعريب الحرف اللاتيني (G). والسبب الأساسي لهذا الاختلاف -غير اتفاقنا ألا نتفق على شيء- أن هذا الصوت ليس له حرف مخصص في العربية، مع أننا نؤديه كثيرًا في كلامنا، وننطقه للتعبير عن حروف مختلفة، الجيم والقاف والغين والكاف.
أستعرض في هذه التدوينة المذاهب المختلفة في تعريب الصوت (G) في أسماء الأعلام.
أكثر حرف يستعمل في تعريب (G) هو الجيم، وأنا أرى أنه مذهب ضعيف، لأن الجيم أكثر حرف مظلوم وأكثر حرف سائل لا يثبت له صوت، وتعرض في تاريخه الممتد لأشكال بشعة من الأذى والعنف، منها التعطيش والقهر والنفي والإقصاء.
أكثر العرب ينطقونه معطَّشًا ليشبعوا الصوت، والقاهريون يلفظونه من حلوقهم، وبعض الأقاليم لا تعترف به أصلًا، هو عندهم ليس إلا ياء مدّتْ طرفيها ومزجَتْ نقطتيها.
وحتى لو اعتبرنا أن العرف يقتضي أننا حين نرى كلمة معربة مثل (جوجل)، أننا نعرف كيف تنطَق ولا نتوقع أن يخطئ أحدٌ فيها، لكنني سمعت بأذني من يلفظ الجيمين في الكلمة بصوتها الأصلي.
وهذا يقتضي أن يكون للكلمة هوية صوتية مرتبطة بها تجعل من وقعت عينه عليها ألا يلفظها إلا كما هي في لغتها الأصلية، لكن الكلمة مثل النص تقوم وحدها، ينبغي أن يقدر كل من تمر عليه أن يميزها.
وافتراضنا هذا يذكرني بعبارة رد بها عمّ الجواهري شاعر العراق حين كتب إليه رسالة بخط يده…
«كتبت وأنا في بداية الثلاثينات من عمري، رسالة إلى عمي الشيخ جواد في النجف، فكان الرد منه على هذه الرسالة قوله بالحرف الواحد: يا ولدي إذا كتبت رسالة مثل هذه بعد اليوم، فأرجوك أن تجيء معها إليَّ.»
وأنا أقول لمن يصر على الجيم تعال أنت مع الكلمة التي كتبتها، أو لا بد من تسجيل صوتي داعم.
وحتى لو تجاوزنا كل هذه الاعتراضات، ماذا نصنع مع الكلمات التي يرد فيها الصوتان صوت الجيم الأصلي وهذا الصوت؟ مثل (Garage) ومثل (FigJam).
صوت الجيم موجود في اللاتينية وفروعها والمتأثرة بها، وهذا يعني احتمال ورود الصوتين معًا في كلمة واحدة، وإذا اتفقنا على الصوت الجديد فكيف نمايز بينهما برسم حرف واحد لهما، قل لي كيف ننطق (جاراج) كما جاءت، الأولى حلقية والثانية معطشة؟
الحرف الآخر المستعمل هو القاف، والقاف -على عكس الجيم- حرف مدلل، يخففه كثير منا همزة، ولا يحققه إلا قلة، ننطقه هنا في الحجاز ومعظم من في جزيرة العرب بلا تفخيم، فصوته عندنا مطابق للصوت الذي نبحث له عن صورة.
لكنه مع هذا نادر الاستعمال، لا أذكر أنني رأيت أحدًا يعرب به سوى شركة (ثمانية)، وهم ينصون على المسألة في سياستهم للنشر. يكتبون (قوقل) (وإنقلترا)، ولن تعدم أحدًا يستنكر في التعليقات على هذا الخطأ المزعوم الشنيع!
وهذا المذهب على وجاهته مستنكر قليلًا، وليس بمستنكر إلا لأنه مغمور. حتى محررات النصوص تعترض بخط أحمر متقطع، أين حرية الرأي؟
ونأتي الآن إلى الغين، ولم أعرف عن هذا الرأي إلا بعد قراءتي لكتاب (المصطلحات العلمية) لمصطفى الشهابي، من رجال المجمع العلمي في دمشق، وهو أول مجمع لغوي عربي في التاريخ، بالمعنى المعاصر للمجمع.
والأمر في الغين مثله في القاف، كلاهما صوتان غير موجودين في اللغة الأصلية، هذا يلغي إمكانية التعارض والتداخل.
وكلاهما نادر، ولا أحد يستخدم الغين غيري وغير مؤلف الكتاب، وقد رحل عن هذا العالم، أي أنني آخر الغائين الأحياء ):
وحتى الغين فيه تنوع صوتي، بعض الأقاليم تنطقه بصوت شبيه بالقاف، كما أن القاف كذلك قد ينبَر وينغَّم فيصير كأنه غين.
ما ألوم العلماء في هذا العناء ولغتنا متعددة الألسنة، لكل ناحية طريقتهم الخاصة.
ما الحل إذًا؟
استحدث أهل اللسانيات حرفًا جديدًا سموه القيف، وجعلوا رسمه قافًا نقطتاها تحتها (ݠ)، وهذا الحرف غير موجود في لوحة المفاتيح التي أكتب بها، أي أن نظم التشغيل لا تعترف به حتى الآن.
وهذا الحل يقضي تمامًا على اللبس، لكنه حبيس الأبحاث والقاعات ولمّا يخرج بعد إلى الشارع. وحتى يأتي ذلك اليوم، وما أظنه آتيًا، فهذا الحرف لا وجود له.
ونفس الأمر ينطبق على الكاف، لكنه استعمال منحصر في أقطار محددة، ومعتبر مألوف في كلمات مثل (إنكلترا)…
«يلاحَظ أننا في الشام نكتب إنكلترة بالكاف لا بالجيم، لأن نطقها بالجيم المخففة قبيح.»
وعلى كل الآراء، هنالك دائمًا مساحة للذوق والعرف، وأنا شخصيًا حين كتبت هذه الفقرات ترددت كثيرًا أن أكتب (الإنغليزية) بالغين، شعرت أنها غصة في حلقي حتى لو كانت مجرد نقاط ضوئية تشع من زجاج.
وما زلت أنفر من (إنقلترا)، واللجوء إلى (إنكلترا) يشبه العودة لعصر الاحتلال. وفي ذلك يقول الشهابي:
«أسماء البلدان والأعلام الأجنبية التى اشتهرت حديثًا بنطق خاص وصيغة خاصة، مثل باريس والإنجليز وإنجلترا وغير ذلك تبقى كما اشتهرت نطقًا وكتابة».
مذهبي الحالي هو الغين، لكنني لا أعممه على كل كلمة، وقد يؤثر نمط النص نفسه ومكان النشر على الاختيار، والمزاج أحيانًا.
وأنت، هل لك توجه محدد في تعريب الحروف؟ أو لم تخطر على بالك أصلًا؟
قافية
الناس ما لم يروك أشباهُ
والدهرُ لفظٌ وأنت معناهُCover Image by Nowbelov on Unsplash.

