36. طيّ المعاجم
نعي اللغوي المعجمي خالد فهمي
كان في البذور التي وضعتها للتدوينة السابقة فائدة متعلقة بحرف الجيم، لكنني قررت ألا أستعملها وأنا أحرر النص. وكأني بها تأبى عليّ إلا أن أذكرها، وأنى لي نسيانها الآن وقد استوفى أيامَ عمره مَن علمني إياها، ذكرته وأنا أبحث عن السطر الذي قيدتُ فيه تلك المسألة، وتذكرتُ بوفاته وفواته أيامَ الطلب المزهرة.
قبل بضعة أيام، انتقل إلى رحمة الله الأستاذ الدكتور خالد فهمي، المعجميّ الكبير.
استفدت من الدكتور أن معجم (الجيم) لأبي عمرو الشيباني سمِّي بهذا العنوان اختصارًا للجوهرة، وزعم برأي مثير للاهتمام أن كلمة (Gem) مأخوذة عن حرفنا، حتى نطقها يكاد يكون متطابقًا، جِم وجيم.
وأجّج موته في نفسي تساؤل الخلود: متى يموت الإنسان حقًا؟
هل يموت حين تنقضي آخر دقيقة من عمره؟
أم يموت حين يهلك آخر إنسان في سلالته؟
أم يموت حين يموت آخر حي يعرفه؟
أم يموت حين لا يظل أحد يذكره؟
إن كان الإنسان يموت حين تفارق روحُه جسدَه، فحياته مدة ما بين الوضع والرفع.
وإن كان لا يموت ما دام أحد يحمل اسمَه موجودًا، فكلُّ عزبٍ أبتر محدود العمر.
وإن كان يبقى حيًّا ما دام نسله مستمرًا، فمن منا يذكر جده العاشر أو حتى السابع؟ إلا لو كان محظوظًا حتى تنسَب إليه العشيرة، فيكون تميمًا آخر أو هاشمًا آخر.
لكنني أرى أنه يموت حين يغيب عن الذاكرة لمن عرفه، أو عرف أحدًا يعرفه.
في كتابه الجميل (تعرية الحب) -وعنوانه خادع بالمناسبة-، يروي المعالج إرفين يالوم قصة أحد مرضاه، رجل في سن الستين اسمه سول، وكان مما قاله وهو على الأريكة:
«هل تعلم أن جميع الكبار الذين عرفتهم عندما كنت طفلًا أصبحوا في عِداد الموتى؟ لذلك فإن الطفل الذي بداخلي قد مات أيضًا.
يومًا ما، ربما بعد أربعين عامًا، لن يكون هناك أحد ممن يعرفني على قيد الحياة، عندها سأكون قد متُّ فعلًا؛ أي حين تندثر كل الذكريات عني.»
علمني الراحل أن المعجم كائن حي، أوسع بكثير من هيئته المحدودة، لا محض سطور متتابعة لإزالة اللبس، بل فيه ينطوي العالم الأكبر. ونحن نكتفي منه بكشف المدلول الغامض، نختلس المعنى القريب وننصرف.
في آخر محاضرة سمعتها طلب منا التعهد باقتناء معجم جيب يحمله الواحد معه أينما ذهب، ويثوب إليه كلما مرّ بمفردة لا يعرف معناها، وأنا أعتذر بأوهى الأعذار، أعتذر بالعجز أنني لم أكن على تمام الوفاء بذلك العهد. لا أدري إن كان الرجوع إلى المنصات المعجمية الرقمية يعتبر التزامًا ويدخل في شرطه.
ويعلمنا الراحل معنى التركيز، ونتاجه المعرفي أوضح العلامات على إخلاصه للمعاجم، أنفق فيها عمره، وأفرغ فيها وسعه، وشاب منها رأسُه.
ويكفي منه تحقيق كتاب الثعالبي الرائع (فقه اللغة وسر العربية)، معجم من معاجم الموضوعات وجنة من جنان اللغة، وهذه قطعة من أوله:
«كلُّ ما عَلاَك فأَظلَّكَ فهو سَماء.
كلُّ أَرْض مستويةٍ فهي صعيد.
كل حَاجِزٍ بينَ الشيئينِ فهو موبِق.
كل بناءٍ مربع فهو كعبة.
كلُّ بناءٍ عالٍ فهو صَرح.
كلُّ ما غَابَ عن العيون وكان مُحصَّلًا في القلوبِ، فهو غَيْب.
كلُّ بستانٍ عليه حائط، فهو حَدِيقَة.»
وقد قرأته بتوصية منه للتلاميذ، وأنا أنصح كل محب للغة وكل مهتم بتوسيع حصيلته اللغوية بمطالعته، ولو صفحتين كل يوم، مصنَّفٌ ثرٌّ غزير.
تحسر صديقي على فواته دون أن يخطو عتبة الستين، وقال لي إن الموت كلِفٌ بالعلماء. هو قصير إن حسبنا عدد السنين، وعريض واسع إن عددنا الأعمال والآثار.
ما عدت أدري كيف أصف هذه التدوينة الغارقة في الفوضى، لم أرد أن تكون ترجمة ويكيبيدية أملؤها بذكر التواريخ والمناصب والمؤلفات، ولم ألقه يومًا فأعرفه تمام المعرفة فتكثر بيننا المواقف والأحداث، إنما كانت محاضرات مسجلة قصيرة ثمينة شرعتْ لي عالم المعاجم.
ليس في استطاعتي تأبينُه، لكنني كرهت أن يمر موتُه دون نعْيِه، إن كان النعيُ أقلَّ الوفاء، وهو أحسن عند ابن داود، كما عنونَ لِبابٍ في كتابه (الزهرة):
«قليل الوفاء بعد الوفاة، خيرٌ من كثيره وقتَ الحياة»
رحمه الله وتقبَّل منه وتجاوز عنه وأعلى منزلته وأكرم مثواه وأحيا ذكرَه وخلّد أثرَه.
لأجلك حِدادًا تطوى المعاجم، وداعًا…
قافية
يأتون مكةَ عامدينَ لحَجِّهمْ
ويخلِّفونك ميِّتًا بِغَلِيلِCover Image by Claire Kelly on Unsplash.

