37. داجّ مع الداجّين
عن رحلة خاطفة
كنا نجول في شوارع المدينة ليلًا وهي تغص بالزوار والمارة، وتمتلئ بصخبهم وضجيجهم وزمارات السيارات، فقال لي صديقي المدني: ما أزينكم أهل جدة! إنكم كل عام تزيدون عيدنا هذا بهاء.
قلت له العادة بيننا في جدة أن يسأل المرء صاحبه إذا طلع هلال ذي الحجة: حاجّ أم داجّ؟ فهاهم أولاء.
فقال: في المدينة وداجّ؟!
والحجّ ما علمتم، والدجّ في اصطلاحنا الزيغُ والضلال، وإن كنا نقصد به هنا ترك الحج، كأننا إذا قرُب المحَجّ نعتبر أي وجهة غير الموقف ضلالًا، وكأن النفوس لا تطيق البقاء في محلها فتدع المنازل وتروم بلادًا أخرى تمضي فيه يوم الحج وصبيحة العيد، وما بعد مكة إلا المدينة.
ودفعني الفضول لأفتش عن استعمال هذا التعبير، متى بدأ، وما دلالاته الأصلية.
فوجدت أثرًا ورد من عهد الإسلام الأول يطابق تعبيرنا الشائع، فهو إذًا مثلٌ سيار، ونصُّه: «هؤلاء الداجُّ وليسوا بالحاجّ»، وإنما كانوا يقصدون به من لم يقدم إلى مكة في موسم الحج إلا للتجارة.
ومن دلالات الدجِّ السيرُ دبيبًا والمشي إسراعًا، والظلمة والخفاء، فلعل هذه المعاني اجتمعت وتطورت حتى صرنا نسمي به كل خاطل.
لطالما عجبت من ولعنا -أهلَ جدة- بالقدوم إلى المدينة في أحب الأيام، ولو رجعت إلى الحِجَج التي سلختها لوجدت أن ما قضيته هناك أكثر مما قضيته هنا. وترى الواحد منا يتحسر أن لم ينطلق مع من ساروا ويقول: لم يتسنّ لي هذي المرة للأسف. كأن الظَعنَ أصلٌ والمُكثَ استثناء.
ومن ينزل جدة في تلك الأيام يجدْ بحرها راكدًا وطرقها خالية ومرافقها معطلة، كأنها مدينة مهجورة.
وترى الإمام يوم العيد يوجس قلقًا بين الفجر والضحى، يعد بأصابعه من بحضرته كل هنيهة لعلهم يكملون نصاب الجماعة.
ولأني مغرم بعروس المدائن، آثرت جيراني وظللت العام الماضي أصونها وأكلؤها، لكن حادي الشوق قد تملكني فلم أطق التخلف عن الركب السيّارة هذه المرة.
وإذا كان السفر لا يتم إلا بتحقق التبدل في الحال والشعور والعِيشة كما ذكر الرافعي، وإذا كنت قد ألفت هذه الرحلة وأنا ملول متقلب المزاج، فقد ارتأيت أن تكون المغايرة هذه المرة في الراحلة والمدة والخطة، قصّرتُ المدة وجهزت الخطة، وحملني هذه المرة قطار الحرمين، أعجبني رصيفه، إذ كانت السكة أمامنا ليس بيننا وبينها حاجز، شيء لم أره إلا في بطون الكتب ومشاهد الأفلام، وكنت أنظر إلى رفقة الرحلة أيهم يتجاسر فيدنو، وكان أجرؤهم امرأة تتابعت خطاها حتى وقفت على الحد الفاصل، ثم نظرت عن شمالها تتسمع الهدير، فصاح بها أحد المسؤولين لترجع، هل كانت تفكر فيما همّتْ به آنا؟
وبما أننا كلنا في المدينة، فهذه فرصة ثمينة، لباغي الثأر وناظر الغرم وناشد القرب وواصل الرحم ومفتقد الصحب، ولا يسعني ولوج القصر الأبيض إلا وأنا أرتدي الشمسية السوداء، فعلى كل سارية امرؤ أعرفه، أراقب بلحظ العين أن يراني أحد، ولماذا أكره أن يراني أحد؟
إن كنت سأقضي العشيات الفاضلة أتجاذب أطراف الحديث فعلامَ الضرب في الأرض؟
ومتى يسلم المرء من الثقلاء؟
تخيل اجتماع كل من عاشرت في مدينتك سواء وددته أو أبغضته، كلهم في مكان واحد، إذًا فالأسلم توخي الحذر وسواقط النظر.
إلا لو كان حظِّي مثلُ تلك الفتاة، التي أشعرتني لوهلة كأنني أقف إزاء الكُرنيش، حين رأت وجهًا تألفه وتحبه فألقت خجلها وصدحت بنغم: جواهر! حيُّو!
تركتُ جواهر وصاحبتها، وهرعت إلى باب السلام، وما راعني سوى تسوير باب السلام دوني، تذكرت به مقطوعة ما أكثر ما كانت تشجيني:
ما البُعدُ يا قومُ إلا بضعُ أشبارِ
لا تمنعوا سكَنًا عن تائهٍ عاري
ها رحلهُ وقفا، ذا قلبهُ رجَفا
والبابُ محتجَبٌ، يا خيبةَ الساري
وأي خيبة أعظم من احتجاب المنشود بعد وعثاء المسير؟!
وعجيبٌ ما يصنعه الشوق بالمشتاق، هذا كهل مقطوع الساقين يقطع الساحات حبوًا، زاحفًا ونعله في يديه، تكلِّل وجهَه ابتسامةُ الحبور، كنت أبصره كل يوم فلا أراه إلا على تلك الحال من البهجة الغامرة والسعي الدؤوب.
وبرغم نفثات السَموم واكتظاظ الأنام، فما على الأرض مكان -سوى الموقف- أحسن من المسجد النبوي لقضاء عشيّة عرفة. للقلب بين تلك السواري وتحت تلك المشاكي إخبات مجلِّل وسكون شامل ورقة خاصة، بجوار شفيعهم ونورهم المضيء ﷺ، والعبادُ بين وجل وطمع، محاكاة فاخرة لمن تزينوا بالبياض وأحاطوا بالجبل.
ويعلن صوتُ الداعي حلولَ الغروب، فينكبّ الناس على إفطارهم، على الثنائية المدنية الزبادي والشرَيك، ومهما وصفت فلن يدرك الجمالَ إلا من شهد.
والقطار لا يعين الراحل على الفراق، ما كان يوجه صوب الجنوب، وإنما يسحب ذيله سحبًا وينتزع معه أفئدتنا انتزاعًا، فيشقّ على الأكباد ويسخِن العيونَ هذا التفاوتُ في شدة الإحساس بالتنائي دون ما يقابله من التداني، أعدّ الآن اختيار مقعد معاكس للاتجاه في آخر مقطورة من موجعات القلب.
قافية
وقد كنتُ أبكيكم بيَثْرِبَ مرةً
وكانت مُنى نفسي من الأرضِ يَثْرِبُCover Image by Syawish Rehman on Unsplash.


حنا نقول "الحاج والداج" بمعنى كل من هب ودب.
ما أجمل قلمك، وما أحلى ما تكتب، تبارك الرخمن.