39. نسناسٌ بارد
مطالعات يونيو
تمر عليّ أشهرٌ أقرر فيها بملء إرادتي ألا أقرأ شيئًا، وكان منها هذه المرة منصِّف العام يونيو، والشمس دانية منا هذه الأيام في جدة، حتى لا يستطيع أحد أن يقف في محله دقيقة ولو بعد الغروب، ولا أن يتفيأ الظلال لوذًا من الأشعة الحارقة.
المدن الساحلية الرطبة تعاقب كل ساكن، والمرء قد ينجيه هنا أن يتمشى بلا ثبات فيخفف عنه هبوب النسيم في بعض الأيام. ومع ذلك، لا أشتري بردَ المصايف بقطرة عرق واحدة تحدرها رمضاء جدة.
وكنت أتساءل لماذا لا أعتبر أي شيء غير الكتب قراءة، إذ قرأت في ذلك الشهر ثلاثة دواوين، وطالعت أكثر من مئة تدوينة. أظن من الأسباب الكامنة -غير ارتباط مصطلح القراءة بالكتب- أن حد الإنجاز يغدو غير واضح، والأهداف الدورية مقياسها عدد المجلدات المنجزة. ولهذا السبب كذلك نكره العودة للكتب القديمة، ونستثقل التجول في المكتبة بغير غرض تصفح كتب جديدة.
أظن ما طالعته هذا الشهر من تدوينات يملأ أكثر من مجلد، ولا أخفي أنني ما كان عندي هذا الاهتمام الكبير بالمدونات إلا بعد أن استأنفت رحلة التدوين قبل سنة ونصف عام، وزاد حبل الاهتمام متانة تقديمي لمحاضرة في التدوين، فصرت مدفوعًا لاستكشاف المدونات وتخصيص أوقات للمطالعة الرقمية.
كنت في الفترة الماضية أستكشف ميزة (Notes) في سبستاك، الفوائد كما أختار أن أسميها، وما أكثر المهاجرين عن تلك المنصة بعد ذبح العصفور وجعل دمه الأسود من الضيم لونًا لها.
سبستاك خوارزميته قائمة على الفوائد، وكل من لا ينشر هناك لا يُرى، ولاحظت التضخم الكبير في المطالعين والمتفاعلين، ولا أقول المشاهدات والتفاعلات، لأنه يجرِّد الناس من بشريتهم، فما يعودون سوى أرقام في مقارنات ومنحنيات.
ولست بمنجى عن هذا الاختلال في التصور، لاحظت في الآونة الأخيرة أنني أدخل بلا وعي مرات كثيرة في اليوم لأراقب تحديثات الأرقام، وما لهذا رضيت القفص البرتقالي محلًا، ولا لأجل ذلك اخترت نشر الفوائد.
وكثرت عليّ البُرُد الواردة، حتى صرت أبددها ساعة وصولها. وقررت بعد كل هذا إلغاء معظم إشعارات البريد كلها، وأخفيت الإحصائيات من أمام وجهي في لوحة التحكم، كنت أراها في كل مرة ألج فيها لتحرير نص جديد ونشره، وأراقب أرقام تدوينة الأحد الماضي متعجبًا، مستغربًا دائمًا، لأنها لا تكون إلا مباينة لتقديراتي، ولا تعنيني على الحقيقة، ولا تغير شيئًا في خطط الكتابة والنشر.
وبلغ الأمر منتهاه عشيّة الأمس، حين ضغطت عليه حتى ارتجف، ونفيته بلا تردد، حذفت التطبيق من جوالي أخيرًا.
ليس سبستاك عندي إلا محض أداة للنشر والوصول، وما كنت أدخله إلا قليلًا، ولا أقرأ فيه شيئًا إلا ما ندر، وكرهت أنني مضطر لرؤية علامة التنبيهات الجديدة حين أدخل عليه.
أعترف أنني ميّال إلى وردبرس، إلى الوردبرسيين تحديدًا، أما المنصة نفسها على عراقتها فقبيحة رديئة، وأشعر أنني حين أكون هناك متجولًا في رحاب مدونة من المدونات أو متملِّيًا لجمال إحدى التدوينات، أشعر أنني منهم ولست من السبستاكيين، ففيم الإقامة بالزوراء؟ لا أظنني سأخرج منها قريبًا إلا لو غيروا نموذجهم، فما من منصة أخرى توفر الأدوات الكافية بالحد الأدنى بالمجان وبتجربة سهلة مثلها.
أكتب هذا وفي ذهني تتردد أبيات المتنبي التي جعلته متنبيًا باعتبار أحد الآراء، شبّه المتنبي نفسه في بيتين متفرقين بنبيين، وكلا البيتين من قصيدة واحدة.
شبه نفسه في البيت الأول وهو مقيم في مكان يبغضه ولا يلائمه بالمسيح -عليه السلام- وهو حالٌ بين ظهرانَي أعاديه…
ما مقامي بدارِ نخلةَ إلا
كمقام المسيحِ بين اليهودِ
وختم القصيدة بتبيان شيء من مدى الغربة الروحية التي كان يحس بها، يدعو أن يصلح الله أولئك القوم أو يهلكهم…
أنا في أمةٍ تداركها اللــهُ
غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ
بعيدًا عن المتنبي وسحره وعودة إلى الموضوع الأساسي، انتخبت من المطالعات العديدة بضع تدوينات أعجبتني، والإعجاب مبني على الذوق المحض، لكنني حين تأملت اختياراتي، استطعت أن أستخلص معايير عامة لأسباب الإعجاب أستبين بها ذائقتي في المدونات.
يعجبني النص غالبًا لأحد هذه الأسباب الأربعة، وكلها آثار نفسية: الدهشة، والبسمة، والضنّ، والغيرة.
ولو كنت مرتبًا لها لوضعت الدهشة أولًا، ألسنا نقرأ لكي نندهش؟ أولسنا نعيش حقًا حين نصون الدهشة في قلوبنا ونذكيها؟ ومن الصعب أن أشرح معنى الدهشة، هي العين الشاخصة، والحاجب المنزاح لناحية الجبين، والشفتان الفاغرتان، والبشرة المقشعرة.
ومنتهى أملي حين أجدول تدوينة لتصل إلى صناديق البريد، يرضيني من النص أن تفترّ عنه ابتسامة من أحد، ولا سيما ممن أود.
وأجد أحيانًا نصًا يعجبني إلى حد رغبتي في الاحتفاظ به لنفسي، كأنني وقعت على كنز، كأنه إنما كُتِب لي وحدي، لكنه شمس يسعنا كلنا ضياؤها.
تلك المشاعر الثلاثة بشرية خالصة تأتي من إنسان قارئ، أما الرابع فمناقض لها لأنه يصدر عن كاتب متنافس، أعدّ النص رائعًا إذا انتابتني غيرة من كاتبه، وغبطة أتمنى بها لو كان ذلك النص لي.
وليس لي شيء -لحسن الحظ- من فجاجة الفرزدق ووساعة وجهه، وكان وسيع الوجه حقيقةً ومجازًا.
كان وجهه مستديرًا فلقبوه بالقطعة المستديرة من الخبز، وكان لا يستحيي أن يسطو على الأبيات المستحسنة التي يسمعها من الشعراء المغمورين المعاصرين لزمانه، يأخذها منهم عنوة دون سلب.
مقدمة أطول من متن، هذه مختاراتي الثمانية، وأدعو لقراءتها نصًا نصًا.
نسناس بارد
كان هذا الإجساس الذي غمرني وأنا أستمتع بكل سطر خطّه حسان في تدوينته عن الحج، وما أحلى الحج والحديث عنه وقصّ حكاياته.
وقد كان العرب يصفون ما يحبون بالبرد، برّد قلبي، أثلج صدري، أقرّ عيني، وصرنا نحن في هذا الزمن نصف كل ما نحب بالدفء، شعور دافئ، بيت دافئ، شخص دافئ، في نفس الوقت الذي ترمض فيه من الشمس أجسادنا.
وأزلفتُ هذه التدوينة وصدّرتُها لأنها تستحق، ولنسب المودة الجامع، ولأنني حظيت بامتياز معرفة بعض خبايا النص وما وراء الرحلة في مناجاة "دافئة"، دافئة تحت مكيفات المكان. وسمعت منه بعض الفقرات كفاحًا مشافهة، مما لا يمكن أن تنقله الكلمات.
يعجبني في مذكرات الأماكن والرحلات أنها تلتقط صورًا لها فتجمدها بعد التحميض فتظل أبدًا كما التُقِطت، ونعرف منها كثيرًا من التغيرات الاجتماعية والثقافية، وما أنعم علينا به من التقدم في سائر شئون الحياة.
ذكرني حسان أننا ما عرفنا القهوة المختصة إلا قريبًا، ما كان بعد الشاي وقهوة الدلة سوى النسكافيه. وعرفت منه أن شبكة الاتصالات لم تنصَب وتوصَّل في مِنًى إلا من قريب.
ولم تكن شبكات الاتصال تصل إلى المشاعر كما تصل اليوم؛ إذ كانت شركات الاتصالات ترى فيما يبدو أن خدمة ملايين الحجاج لبضعة أيام من السنة نمطٌ من الترف الزائد، وربما أرادت أن تُعين الناس على تحقيق مقصد أيام منى في الأكل، والشرب، وذكر الله، وترك الجوالات وشأنها! أما الإنترنت فكان شيئًا أقرب إلى الخيال العلمي، لا يخطر ببال أحد أن يطلبه أصلًا، بينما ينعم الحاجّ اليوم والحمد لله باتصال يكاد يتيح له أن يبثّ رمي الجمرات مباشرةً بجودة سينمائية، مع تعليقٍ حيّ وتحليلٍ فنيّ بعد انتهاء الرمية.
وأفاض عليّ بمشاعر لم أجربها من المشاعر، فامتزج عندي برد التلذذ بالنص البديع بحرارة الشوق إلى إجابة النداء العتيق.
كان يهبّ على منى في تلك الساعة نسناسٌ بارد كما أتذكر، من ذلك النوع الذي يدفع القلب لحبّ كلّ شيء، واستذكار كلّ شيء، والانفتاح على أيّ شيء. وكانت الخيام تلمع تحت الأضواء الصفراء، بينما افترش الحجاج الأزقّة والساحات في كل مكان؛ هذا نائمٌ وقد التحف إحرامه، وذاك يمشي ببطءٍ كأنّه يتحرك داخل حلم، وآخرون جلسوا في حلقات صغيرة يحتسون الشاي ويتبادلون أحاديث خافتة قبل الفجر.
وقفتُ هناك وحدي، ممسكًا كوب النسكافيه بكلتا يدي، أحدق في ذلك المشهد الهائل الممتد أمامي، دون أن أعرف أنّ الدقائق التالية ستمنحني واحدةً من الحكايات التي لا تتكرر.
سمعت عن عجائب الحج كثيرًا، وما كنت أدري أن الأموات يبعثون من مرقدهم ويحجون مع الأحياء، التقى حسان بقيس بن ذريح شخصيًا، هذا والرواة يزعمون أنه أدرك عصر الراشدين، وبثَّه شكواه من الجوى المبرِّح من فراق لبنى. الفرق عن المصادر التي اطلعت عليها، وأنا أصدِّق الرواية بالسند المتصل ممن أعرف على الأساطير المكتتبة، الفرق أن لبنى هي من طلبت الفراق وأصرت عليه حتى نالته، وأن قيس مكي في صوته نغم نادر.
صار عندي سبب جديد لإزماع الحج، من يدري فربما أسمع هناك من يهمس لكل آنسة وضيئة بصوت عذب من قلب جريء لا يبالي بالعواقب: “فيه مجال يا غزال؟!”
وألتفت فإذا بي أرى عمر بن أبي ربيعة.
صوت يعرف طريقه
بخلاف النص الغني بالأوصاف الحي بالاستعارات المتطاول الفقرات، فهذا نصٌّ رثائي يشبه النشيج، فقراته قصيرة أكثرها من سطر واحد، أوصافه مختصرة مركزة.
تكتب أفراح عن رؤوفها، أبيها الذي لم يلدها، الرجل الذي ارتقى بها إلى منازل الكبار، وفتح لها الأبواب، بل كان هو نفسه بابًا. حدثتني عن بداياتها الأولى في الصحافة، عن غُرَر أيام الكتابة الاحترافية، وأنا مغرم بتجارب الكتاب وأحب سماع بداياتهم.
شدتني كثيرًا كلمات المحرر العريق الذي لم يستطع كبرياؤه الإغضاء عن الموهبة الشابة، ومنها نشأت علاقتهما…
“أهلًا أفراح… حاولتُ أن أتعامل مع ما تكتبينه كمادة عابرة، لكنكِ في كل مرة كنتِ تكتبين شيئًا لا يُشبه ما قبله. قاومتُ… ثم أدركت أن لا جدوى من مقاومة صوتٍ يعرف طريقه.
من الظلم أن يبقى هذا الحرف في الصفحة الأخيرة… أريدكِ أن تنتقلي إلى عمود الرأي من اليوم ، مع مكافأةٍ بسيطة… لا تفي بحقك، لكنها تليق بإصرارك.”
رددت هذه العبارة كثيرًا: “لا تفي بالحق، لكنها تليق بالإصرار.”
قد ننسى كل أحد لكننا لن ننسى من أخذ بأيدينا في الأزمان الصعبة ونحن ضائعون حائرون نطرق الأبواب ننتظر من يجيب، وكذلك لا ننسى مكسِّر المجاديف محارب الموهوبين، لكن أمثال الآخر قد يدفعوننا للاستمرار أكثر مما يفعل الأول.
وغمرني إجلال كبير لهذا المحرر، وفضول كي أتعرف عليه وأقرأ سيرتَه، واقتصرتْ أفراح على جانبها من القصة.
وكاد يبكيني اعتذاره لها بالعمى بعد تقاعده وانقطاعه عن مواصلتها، وأدهشني وفاؤها المستمر له وعنايتها بصون الأبوة المكتسبة، من ينبغي أن يواسي الآخر؟!
كان هناك، دائمًا، في الظل، وفي ذاكرتي، وفي عمقٍ لا تصل إليه الكلمات. ثم غاب.
رسالة لم تصل
شروق من القلائل الذين أود الاحتفاظ بكتاباتهم لنفسي، تؤثر فيّ كثيرًا كتاباتها في رثاء الحي بعد موت ذاكرته، فما عدت أظن ألزهايمر إلا أشد من الموت.
ومقدماتها الإسقاطية رائعة، انطلقتْ من رسالة بعث بها كافكا إلى أبيه، متوقفة عند العنوان بدلالاته في لغته الأصلية، وانتقلت منه إلى قصتها المشابهة، بدون كتابة رسالة من مئة صفحة مثله لغياب الداعي، ولأنها لن تصل مثلما أن أمّ كافكا طوَت الكتاب وأخفتْه فلم يطَّلع عليه المقصود به.
التدوينة قصيرة جدًا، لكنها مشحونة بالعواطف مثيرة للأفكار، يكفي الجرأة على خوض الشوائك التي ربما لا يجرؤ أحد على التصريح بها في حياته، بل قد يخشى حتى أن يفكر بها.
لم يشفني الزمن، ولا يفيد مرور الوقت كما يقولون، كل الآلام مدفونة هناك تنتظر ألمًا أكبر يوقظها مرة أخرى، تطفح بعشوائية، ربما اختفت الجروح لكن بقيت آثارها، ثقة نفس مهزوزة، اختيارات سيئة، ورغبة متواصلة بالهرب، ووضع مسافة متوجسة عند أي اقتراب وعاطفة.
بين يدي شخابيط بقية التدوينات، ولكن الحديث طال أكثر مما توقعت، والمحرر فوق رأسي يحذرني أن الساعي لن يقدر على حملها إن زدت الأواقي. لعلي أكمل في تدوينة قادمة.
قافية
ولو سمحَ الزمانُ بها لضَنَّتْ
ولو سمحَتْ لضَنَّ بها الزمانُCover Image by Thalia Ruiz on Unsplash.


أكرمتني يا سليم
وأشهد بأن تدويناتك تُدهش، وتُسعد، وتدفع للضنّ بها وتُثير الغيرة!