حب من بعيد
حب من بعيد، وهدية الكون.
الشخابيط التي كانت بين يدي ضاعت. كدت أُجَنّ من اختفاء الورقات التي غرست فيها البذور وخططت عليها نصوص مراجعات التدوينات، بحثت في كل دفاتري، بالتمرير الخاطف وبتقليبها صفحة صفحة، وصرت أفرك كل زاوية لتوخي احتمال التصاق ورقتين ببعضها، هززتها لعل شيئًا خبيئًا يسقط منها، وقرأت كل سطر في بعضها فربما خلطت النصوص ببعضها، وكل ذلك لم يجدِ شيئًا.
وبعد احتدام الغضب ووشك تقطيع كل الصفحات والاضطرار للبناء الجديد أو التخلي عن هذا الحديث تمامًا، وقعت عيني على حقيبة مسندة إلى أحد جدران الغرفة، وتذكرت في تلك اللحظة أن عندي دفترًا متعدد الأغراض لم أستعمله للمدونة إلا المرة الماضية، ثم أرجعته إلى مكانه، وما إن تلقيته براحتي حتى تيقنت أنه المراد، وتنفست الصعداء بعد أن كدت أغرق في التلاوم، لو أنني أكملت هذا النص في ذلك اليوم لما قاسيت كل هذا العناء. ولن يعود هذا المجلد الأسود إلى حيث كان، مكانه الآن دانٍ ظاهر.
والذي حملني على اللجوء إلى دفتر آخر امتلاءُ مكنزي، وهو من القطع الصغير قليل الصفحات، فتورطت به، هذا غير مشاريع النصوص المعلقة التي جعلتني أستثقل العودة إليه، تذكير مستمر بالضعف والتكاسل والمزاجية.
أعجبني هذا النمط من التدوين، وأفكر أن أنزع الارتباط الزمني عنه فأكتب عن بضعة تدوينات كلما اجتمعت لديّ مختارات جديدة، فبعض الأشهر يكون حافلًا مثل يونيو الماضي فلا يكفيه جزء ولا جزآن، وتقسيمه إلى أجزاء مزهِّد فيه أحيانًا، وهذا النمط أهون من الإنشاء الخالص، وهذه القراءة التدوينية تثير في النفس أفكارًا ومعاني قد يصعب الوصول إليها بالذهن الخالي.
لذا سأكف عن اعتبارها أجزاء متتابعة مكملة لبعضها، ولكنها سلسلة متقطعة بلا تعداد.
حب من بعيد
حين قرأت هذه التدوينة تذكرت قصة كرتونية طالعتها في إحدى مجلات الأطفال وأنا في عمر الصبا، مضمونها أن صبيًا صغيرًا قرر أن يجوب العالم حين شاهد رحّالة على التلفاز، وشمّر عن ساعديه وملأ حقيبته بكل ما يحتاج إليه، ثم وقف عند باب البيت لينطلق في رحلته لكنه لم يستطع فتح الباب، حاول مرارًا حتى يئس وصاح باكيًا: “ماما، ساعديني على فتح الباب!”
نستهين بالمشاق التي تتضمنها بعض التحديات والصعاب لأننا كثيرًا ما نرى الأمور من منظور الشخص الثالث، أو نبصر النتائج غافلين عن تكاليفها. وقد يكون منى الإنسان في شخص أو مكان أو تجربة أو متاع، ثم يكتشف أنه لا يناسبه ولا يطيقه. وزاوية النظر ومسافة البعد خداعة، وكثير من الأشياء جمالها في بعدها، وكما أن بعض الناس يا زينهم وهم ساكتون كما نردد هنا، ومثلها بعض التجارب وطرائق العيش ما أحلاها لو كانت من وراء الشاشة أو من زجاج النافذة.
«كنت أظن أنني أعرف نفسي جيدًا. أنني من أولئك الذين تميل قلوبهم إلى العزلة الهادئة، إلى صوت الريح بين الأشجار، إلى فنجان يُعدّ على نار صغيرة في مكان لا يعرف الضجيج.
لهذا، حين اقتربت أواخر رمضان، اخترت أن أبتعد. لا سفرًا صاخبًا، ولا مدينة أخرى، بل مزرعة بسيطة، شبه معزولة، كأنها وعد بحياة أهدأ.»
أرادت سيرين الخروج عن مألوف حياتها وقضاء إجازة في عزلة عن العالم مصاحبة للطبيعة، واكتشفت بعد مرور أيام قليلة أنها لا تحب الطبيعة بقدر ما ظنت، ولا تطيق هذا المدى من الصمت إلا من حفيف الأشجار وحسيس النار وتجاوب العصافير. حتى رمز الأنوثة في العالم المعاصر، وحتى المطر.
«الفراشات……! التي يقال عنها لطيفة, لم أستطع تقبّل وجودها قريبةً مني، كأن المسافة بيني وبين الطبيعة لم تكن آمنة كما توقعت.»
وأدركتْ أن ما نصوره في أذهاننا أحسن من الواقع في كثير من الأحيان، أو دائمًا.
«أدركت أن حبّ الأشياء من بعيد، لا يعني القدرة على العيش داخلها. وأن بعض الصور التي نحتفظ بها في خيالنا، يكفيها أن تبقى كذلك، دون اختبار.
أما أنا، فأظنني اكتفيت بيوم واحد فقط داخل السيارة، أطلّ فيه على الطبيعة من نافذتي، دون أن أكون جزءًا منها.»
يعجبني خط مدونتها المحاكي لخط النسخ المرسوم باليد، القراءة لها أشبه بالتلصص على دفتر يوميات.
وفي جمال بعض الأشياء من بعيد، وقبحها عند المعاينة والاقتراب، نقل الهدلق كلمة عن شيخه علامة الجزيرة حمد الجاسر: «بعض المؤلفين يكون لقاؤك به سببًا في ترك قراءة ما يكتب».
وقصّ بعض الوقائع عن مقابلات عابرة ببعض الأدباء والشعراء، ندم على لقائهم لما رأى فيهم من تردِّي الأخلاق والكِبر.
هدية الكون
لا أسمع اسم شوشو إلا وأستحضر رواية المازني الساذجة (إبراهيم الكاتب)، أعترف أنني اقتنيتها قبل سنتين ظنًّا مني أنها مذكرات.
ولم يذكر المازني طيلة الرواية -فيما أذكر- اسمها الحقيقي، ورأيت كاتبة هذه التدوينة تقابل بين عائشة وشوشو، وهذا تدليل لا نعرفه بيننا، فهل هو شائع في حواضر أخرى؟
تحتفل عائشة بميلادها بهذه التدوينة، كتبت عن المقابلة بين العيش وبين الحياة، واتخذت لكل منهما اسمًا لها، فعائشة تعيش وشوشو تحيا. والعيش عندها الكبَد والسعي، والحياة التلذذ والجمال.
وعائشة هي النسخة الناضجة منها التي بلغتْها الآن، وشوشو الطفلة التي تستصحبها معها والتي تذكرها دائمًا بالبهجة والدعة.
أعجبني كثيرًا تعديد الأسماء، فالحياة مملة جدًا حتى نعيشها كلها باسم واحد فقط، أنا أسمي نفسي بعشرة أسماء، كل اسم له حاله وسياقه، وأغيرها كما أغير ثيابي.
وأهداها الكون بدرًا منيرًا كاملًا في ليلة ميلادها، مما جعلني أغار وأقلب في التقويم لعلي أصادف ليلة مقمرة أو حتى من ليالي البيض، بالهجري أو بالميلادي، لا يهم.
«اكتمل القمر ليلة مولدي، وكأنه يخبرني بسطوعه أن أكون مشرقة ومضيئة مثله، فهو بنوره هذا العام أراني بريقًا جديدًا مميزًا بي، لم أعهده من قبل، وهذه هدية مرضية من الكون أقبلها بكل حب وامتنان.»
لا أرى لهذا اليوم أهمية حتى يتخَذ عيدًا يحتفى به، لكن تروق لي الكتابات الصادقة الواعية. وقد عرفتُ من يبدأ تخطيط عامه من ليلة الميلاد، فهي المبتدى والمنتهى.
قافية
وكنتُ إذا ما جئتُ، جئتُ بِعِلّةٍ
فأفنيتُ عِلّاتي، فكيف أقولُ...Cover Image by Griffin Wooldridge on Unsplash.

