41. الكاتب السمين والكاتب النحيل
ماذا لو كان دوستويفسكي مترَفًا؟
في ساحة الحرب من يستطيع الصمود أكثر: الجندي البدين أم الجندي الهزيل؟
استهل جون بوكاي تفرقته بين الكتّاب بهذا التساؤل الذي تلقّفه وهو يقرأ إحدى الروايات، في نص نشره في مدونته (The Artist Analysis).
اختلف الناس فريقين في تحديد الصامد على كلَب الحرب ومجاعتها.
الذين رأوا أن السمان أجدر بالنجاة كانت حجتهم أن جسده مكتنز بالدهون، لذا يسع جسده المقاومة بالاقتطاع من لحمه حتى يأتي الفرج.
ورأى الفريق الآخر أن النحيف أصمد الاثنين، فجوفه معتاد على البُلغة يعيش بها، وإذا ما وقعت مجاعة لم تكن هبوطًا حادًا في قُوْته.
هذا يشبه الفرق بين الغني والفقير إذا اشتدت بهم الحال، الغني إذا كان معتادًا على مساحة من الترف، لم يملك أن يعيش في أضيق منها، بينما الفقير معتاد من البداية أصلًا.
وما شأن الكتابة والكتاب بالسمان والمهزولين والمترفين والصعاليك؟
إذا اعتبرنا مسيرة الكاتب رحلة نجاة يحتوشه في أثنائها ما يهدد بقاءه، فعليه أن يعرف نفسه من أي الفريقين، حتى يسير على الدرب الذي يلائمه وينجيه. الاعتماد على الموارد الوفيرة أو الاقتصاد في القليل المتاح.
ويكمن الخلل في استعانة الناشئ بمن لا يشبهه، فإذا حاول تقليده ضاع وأخفق، وإذا سلّمنا من البداية أننا -معشرَ الناشئين- من الفئة الثانية، فأكثر ما يلهمنا أن نطالع سيرة الكبار الذين كانت بداياتهم مثلنا.
الكاتب السمين
الكاتب الذي أتيح له بعض هذي الأمور أو جميعها يعد سمينًا: الثراء، الشهرة، المعارف والصلات، التتلمذ.
الفارق الأساسي بين الفئتين أن السمين ليس مضطرًا للكتابة كي يعيش، هي عنده نوعٌ من الرفاه الزائد، لا يطارده ناشر ولا يضغط عليه موعد تسليم ولا يغرم فاتورةً سدادها من كدّ قلمه.
أو يكون شهيرًا إلى حد تهافت الناس على مؤلفاته لأنه فلان، وقد تكون شهرة الكاتب من كتابته بتكوين جمهور يتتبع مطبوعاته، لا أعني هؤلاء وإن كان يشملهم التصنيف، إنما أعني قبلهم من كان مشهورًا قبل أن يحمل القلم، فهناك كاتب مشهور، ومشهور يكتب.
مثل هذا لا يحتاج لترجي الناشرين وطرق مئات الدور حتى يفتح لهم أحد الباب، ولا إلى بذل ماء وجهه بعرض بضاعته المزجاة في طرقات الشبكات، لعل أحدًا يتصدق عليه بقليل من الاكتراث.
وكثير منا عالقٌ هنا، ضائع في زحام الناس على مواكب السمان.
ومن السِمَن يكون للكاتب معارف كثر ينشرون له إن أراد، ويفسحون له في رفوف دورهم موضعًا لكتابه، ويقرِّضون كتاباته بالتقديم والإطراء، ويذكرونها بالتعليق والإحالة.
ممن تتجلى فيه هذه السمات أو بعضها ممن عرفت بأمرهم وقرأت لهم عمر الجريسي وكتابُه (مذكرات الطالب المدير).
وممن ذكرهم جون في تدوينته من السمان ميشيل زوجة الرئيس أوباما، وستيفن كِنغ الكاتب الشهير.
هؤلاء يضمنون عوائد الكتاب قبل نشره، إما بتحصيل أجره من الناشر قبل طبعه وإما لصيتهم الكبير وتاريخهم الحافل بالمؤلفات التي يروّج بعضُها بعضًا. وتجدهم إن تكلموا عن مسيرتهم الكتابية يتركز حديثهم في عادات اليوم والليلة وفي غرائب طقوسهم، دون التعريج على معاناة الكاتب الحقيقية، فتكون للقارئ من هموم الأغنياء. قرأت سيرة ممثّلة كانت تطيل الشكوى في أنها عانت وهي تكتب مذكراتها لكثرة مواعيد المقابلات والوقت الذي يضيع في تصفيف شعرها وتزيين وجهها.
وأنا أزيد على الثلاثة امتياز أن يكون للناشئ أستاذ يهديه ويسدِّده، وهي سمة مشتركة بين كبار كتاب العصر الحديث، قلّ أن تجد كاتبًا منهم إلا وله أستاذ، حتى صرت أحسبها شرطًا في الاحتراف.
الكاتب النحيل
يقول المازني -بتصرف-:
«ولو استطعت لتركت النثر ولكنه مرتزقي، وإني لأكتب للخبزِ لا للأدب.»
والمازني كان نحيلًا على الحالين، في خِلقته وفي مسيرته.
يكتسب النحيل بالكتابة، فهي رزقه ومعاشه، ويقاسي ألم الخمول، ويكافح صارخًا حتى يراه أحد، ويتخبط يمنة ويسرة في سير متعرج بين استواء وتنكُّب دون أن يجد من يرشده.
وأظهر هذي النقائص في سيَر الكتاب الكبار كان الفقر، ويجعلنا هذا نفسر بعض السمات في مؤلفاتهم، فمن أسباب ضخامة بعض روايات دوستويفسكي أنه كان مدينًا معدِمًا ووراءه ناشر يطارده ليسلِّم قطعة الأسبوع، كما ذكر عبد الله إبراهيم:
«قراء دوستويفسكي يعرفون أن رواياته الكبيرة كُتبت بدافع الحاجة إلى المال، فيوقع عقودًا مع ناشري المجلات لإظهار فصول أسبوعية أو شهرية منها، وغالبًا ما كانوا يستعجلونه للكتابة.»
والطريف أن دوستويفسكي نفسه ذكر حيلة تكثير الصفحات في إحدى رواياته، على لسان شخصيته رازوميخين في (الجريمة والعقاب) يكيل فيها أجره بعدد الملازم:
«وسوف نطيل النص الألماني الذي يتألف من ملزمتين ونصف ملزمة فنجعله ست ملازم، ونجعل له عنوانًا فخمًا يملأ نصف صفحة ، ثم نحدّد ثمن سعر النسخة الواحدة من الكتاب بخمسين كوبيكًا.»
ولم أعرض التصنيفين حتى نتخير منها، فهذه حظوظ ومواهب، ولكن لنعرف مزايا النقص، فالنحيل عليه أن يكتب، عليه دافع خارجي غير دافعه النفسي للكتابة، مهلة التسليم تشعل دماغه حتى ينجز. لولا موعد النشر لما أظنني كتبتُ شيئًا ولا نشرت شيئًا، وأكثر الأعمال المعلقة مردُّ تعثرها إلى أنني لم أجد ما يحملني على إتمامها.
والأمر الآخر أن النقص باعث على الاجتهاد والتحسن، وهذا يجعلنا نرى رفاهية الكتابة من دون ضغط مشكلة لا امتيازًا. ينحت النحيل بقلمه الصخر حتى ينال. والنحيل عنيد دؤوب جليد مقدام، زادُه نقصُه وشعلتُه خمولُه.
وما أحسن قطعة عروة بن الورد -وهو سيد صعاليك العرب- في فضل النقص على الزيادة:
وقلتُ لقومٍ في الكنيفِ: تروَّحوا!
عشيَّةَ بِتنا عند ماوانَ رُزَّحِ
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم
إلى مستراحٍ من حِمامٍ مبرِّحِ
ومن يكُ مثلي ذا عيالٍ ومقتِرًا
من المال يطرَحْ نفسَه كلَّ مطرَحِ
ليُبلِغ عذرًا أو ينال رغيبةً
ومُبلِغ نفسٍ عُذرَها مثلُ مُنجِحِ
يستفزّ بخطابه صحابَه المهزولين -وهو منهم- حين أقعدهم العياء عن السعي، أن ما هم فيه من رقة الحال داعٍ قوي إلى النهوض وطلب الغنى. وحتى لو لم يصلوا وينالوا، فهم على الأقل سعوا وحاولوا، ومُبلِغ نفسٍ عُذرَها مثلُ مُنجِح…
*نص عبد الله إبراهيم مستفاد من كتاب (الظل والحرور).
قافية
تمرُّون الديارَ ولم تَعوجوا؟!
كلامُكمُ عليَّ إذًا حرامُCover Image by Florian Klauer on Unsplash.

