42. هزُّ الورد
من حكايات عنقود
يقول أهل الظرف من الشآم في إثارة الغضب بقصد التودد: “نهزّ الورد لنشمه”، وقد هيّجتُ غصن كرْمٍ، فدنا لي عنيقيد عنب، ولولا أنه جنح عن تقاصيه لاستطلته ولوصمته بالحموضة، دنا فكان عنيقيدًا، فعيعيلًا مما يهول لا مما يحتقَر، ينصر رأي الأئمة في جعل هذه الصيغة للتعظيم كما تكون للتصغير، فبين أيدينا في كتب الصرف المأثورة الدويهية، وأمام ناظرنا عنيقيد رائع، اختلفت ألوان ثماره وتشابهت أشكالها، فمن أبيض ومن أحمر ومن أسود، والعنب واحد، وتعددت الطعوم فمرة ينيلك الحلو اللذيذ ومرة يذيقك الحامض اللاذع. وما كانت للعنب خاصية التلقب بالكرْم، أي الجامع لخصال الخير، إلا لتعدد منافعه، ثمرة للمتفكه وزبيب للمتنقِّل وشربة للنديم.
هززت العنقود لا لأستفزه فيغضب، ثم يكون لي منه لذة المراضاة، كما ذكر شيخ العربية محمود شاكر في أحد مقالاته:
«وبعضُ الزلَل لذيذ، وألذُّ منه تلقي المغفرة»
لكني لم أزِل، بل أذعت تبشيري بالكتابة والتدوين للقصي والداني، وخصصت به من صحابي من أعلم منهم اشتعال القريحة وقوة الداعي وملَكة الإبانة، وكنت لهم كما كان لي صديقي البائن حين قال لي مرة ونحن نطالع إعلانًا لمبادرة في الكتابة: "هلمّ، فإن لم ننتفع فما في الأمر ضرر".
وما كنت أدري أن تلك المناجاة الناصحة كانت شرارة انطلاقتي حتى صرت أطل عليكم في الآحاد، ويملأ صناديقَكم ساعي بريدي.
ولو كنت أدري أن رشفات من كوب شاي لها تأثير المسكر لعاجلته التغفيل، وكيف لا تذهب العقلَ ورغوتُها تملأ ثلث الكوب كأننا نصطبح الجِعة، يقوي مفعولَها شابٌ مستهتَر جعل همَّه أن لا يدع أحدًا حتى يجعله يسوِّد صحائفه ويذيع بيانه، فاجتمع السحرُ والساحر.
وإذ لا عصا موسى فتبطل مفعول السحر وتلقي على الأرض الساحر، لا سيما أنني أذقته عنبة من عنقوده فاستطابها ورضي أخيرًا أن يطعمنا جميعًا من عنيقيده.
وأنا حين أتناول عنقودًا فأقطف منه إلى فمي حبة بعد حبة، يتجرد العنقود بإلقاء أكمامه، لكن هذا العنيقيد دويهية حقًا، فهو كالعلم لا ينقصه البذل بل يزيده.
وكان من الجنى الداني تدوينة كتبها في رحلته المثيرة إلى المدينة، تلذذ فيها بالاحتمالات وتعذر فيها بالأحباب وتفرد فيها بالسؤدد ووصف راحلته وعدّد فيها مغارمه، ووعظ غيره علّه يجد من كلامه لنفسه مزدجَرًا.
عشتُ عمري على اللحظات الأخيرة، أحبّ أن أسلّم الواجب 11:59، وأن أدخل القاعة وقت التحضير، وأن أفتح باب المسجد مع التكبير، أوقّت خروجي قبل الموعد بتقدير خرائط غوغل…
ويروي بيت المتنبي في استعذاب حال الشك بين الوصال والهجران:
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربُّه
وفي الهجر، فهْو الدهرَ يرجو ويتّقي
ولم يكن المتنبي وحده من أعجبه قلق الاحتمالات، فقبله حامل راية العشاق، العباس بن الأحنف، يرى أن المحبة ناقصة إن لم تتردد بين عتب ورضا، ورسالة استعتاب يشفعها كتابُ إعتاب:
إذا لم يكن في الحبِّ عتْبٌ ولا رضا
فأين حلاواتُ الرسائلِ والكتبِ
وتؤيد هذه الآراء نظرية الدوافع الثمانية التي وضعها يوكاي شو، أن مما يدفع الناس للعمل حبُ المفاجأة وخوفُ الخسارة، وما نشوة الساعي الذي يبلغ المحطة في آخر لحظة كالمتهيئ الذي احتاط للأمور وحسب مقاديرها.
وهذا عذر المتأخرين، يحبون تسليم الأعمال في آخر لحظة، لا يرتاحون حتى يعذبوا أنفسهم ويعذبوا غيرهم معهم، وعذرُهم الآخر شيوع الاستهانة بالمواعيد بين الناس، لذلك تعذر عنيقيد أن أصحابه ورهطَه أشد منه تأخرًا فصار فيهم كالمبالغ في التبكير، فالأعرج بين الكسيحين صحيح.
ولا يدرك الإنسان ما يحمله عنه من حوله من مشاق وما يكفونه من هموم حتى يسافر من غيرهم أو يصنع شيئًا لم يعتد أن يفعله مفردًا، فيكون بالسؤدد متفرِّدًا، وقبحًا له عند ذلك من سؤدد يكون شقاء، وأحيانًا تكون تلك ساعة التحول من إضاعة الأشياء إلى الأخذ بالزمام.
بالأمس صبي ينتبَه عليه، واليوم يقود صبيًا جاهلًا ضائعًا غافلًا لا يملك من أمره شيئًا، والمشكلة حين يكون القائد غافلًا كذلك، يحتاج إلى من يقوِّمه ويهديه، فهو كما قال راوي الحكاية: “أعور يقود أعمى”.
وأحلى قطعة أعجبتني في التدوينة وصفه لإنوفاه الأنوف، ولنا نحن -الشبان- علاقات وطيدة برواحلنا، ولذلك حديث مستقل لاحق، لكن أكثر ما يضحكني أن نقيس أعمارها إلى أعمار الصغار، فوق أننا لا نستوعب أن يكون تاريخ ميلاد إنسان بعد الألفين وعُشرها، كأن آخر سنة يسع أحدًا أن يولد بها 2009، ويبالغ بعضهم فينفي ذلك عن مواليد الألفية كلهم، فهم عنده -إذا أثبت لهم وجودًا- أطفال أبدًا، حتى لو ناهز أحدهم ربع قرن.
وعلى أني في عمر الزهور أبدًا، لكني تفاجأت مرة حين سمعت صبيًا يذكر أنه ولد في 2015، ربما لأنني عشت قبل هذا التاريخ أيامًا وتجارب وكانت لي حكايات، وحتى سنة المولد تلك كانت حافلة، فتكون حياة هذا الصبي كلها جزءًا صغيرًا من حياتي، وتجاربه قطعة ضئيلة من تجاربي.
كنت أقود الإنوفا، عمرها أكبر من عمر أخي، تصيح كقطار البخار، وترتعش كأكفّ المسنّين، لكنّها أنوفة حمول صدوق، لم يُملّها طول العيش ولا كثرة السعي ولا تكرار المناظر، فما زالت تحمل حمل الشباب إذا حمي الوطيس، فأخرجت من قيرها بقايا الصِّبا، ومن مكينتها صيحات الصَّبا، وخيّطت الطريق خياطة، أتجاوز التريلا والكورولا على حدٍّ سواء، أبحث عن فارق الشعرة وأقاتل عليه، وأفكّر أثناء ذلك في خصام أمّي، وتبسّم أبي، وربّما وصول الخبر من ينتظرنا في ضفّة السكّة الثانية من أخوالي وخالاتي، والكارثة إن وصل الأمر لجدّي، وكم سأتغرّم لو فاتتني الرحلة لرحلةٍ جديدة؟ ومتى ستُتاح؟ وكم سننتظر لها؟
نسمي المراوحة السريعة بين مسارات القطار تخييطًا، كأن السيارة بين يدي السائق مِخيَط يحيك به الشارع، وهذا من التصوير البياني في الكلام العامي. ولو شهد أحدكم في طريق السبعين جرذًا عظيم المتن يجوس خلال السيارات فتلك الإنوفا.
وبعد كل هذه المحاولات لتدارك رحلة القطار، وصلا متأخرين وما أراحهما من ألم الأمل سوى راحة اليأس على لسان المضيفة وهي تؤكد فوات القطار، بعد افترار الأمل الضعيف، "ابتسامة الرجال حين يفقدون كل شيء".
وصلنا نلهث فوجدنا عاملةً هناك، أريتها رقم الرحلة فقالت ببرود: “راحت” فراحت، وأراحت.
وفي ذلك ينظِم الشاعر البغدادي:
وفي اليأس إحدى الراحتين لذي الهوى
على إن إحدى الراحتين عذابُ
ولعل من حظنا أن القطار فاتهما، فجرت لهم هذه الواقعة، ووجد في المقصورة من مدد وحي الكتابة ما ألقى في روعه كلامًا سطّره، ثم أضاعه! ولا عجب فالطباع أبيّة على الناقل. على أي حال، رضينا بالنص الثاني البديل.
قافية
أرَّقَ العينَ أنّ قُرّةَ عيني
دخلتْ بينه الليالي وبينيCover Image by Patrick Langwallner on Unsplash.

