38. الآن يا نديم!
مراجعة أخرى لتطبيق نديم
كتبت قبل شهور تدوينة راجعت فيها تطبيق نديم، وكانت في مجملها تدوينة غاضبة، وهي بعدد الكلمات أطول نص كتبته في المدونة، ولا يثقل عليّ شيء الآن إلا أنه قد مرّ على ذلك اليوم ما يزيد عن حَول، أي أنه نقص من عمري سنة كاملة، وأنا أحب إقناع نفسي دائمًا أنني لا أزال في عمر الزهور، فإلى متى يسعني أن أضحك على نفسي؟! يجوز أن أعتبرني كتبتها في مايو قبل الماضي من نفس العام؟
وإذا كان الواحد فينا يتغير كل فترة، وإذا كانت الأيام والليالي تعمل فينا، ولو رجع الواحد فينا لصوره العتيقة ومحادثاته القديمة لظن أنه يعاين شخصًا آخر، فحتى الكيانات والبرمجيات تتغير وتتطور، ذهلت من عدد التغييرات التي جرت في تطبيق نديم من بعد ما نشرت المراجعة، كأنهم نقضوا البناء الأول وأقاموا بعد تحييد ركامه صرحًا آخر، حتى لون الهوية انسلخ من صبغته الأولى، وأنا ما زلت مغرمًا بتلك الدرجة الخضراء مع السكري، كانت فتنة خالصة حقًا، كانت بهجة للعين.
لكننا كما نحتاج في حياتنا أحيانًا للتخلي عن أشياء وأماكن وأناس ليتحقق لنا التغيير، أظنهم كانوا يرغبون في شيء مشابه، كأنها صرخة لونية شكلية: تغيرنا، والله تغيرنا!
وأنا أجيب الصدى بأعلى صوتي: الآن! الآن يا نديم!
الآن يسعنا كلنا بهوٌ واحد نتجاذب فيه أحاديث نشاطات القراءة، بالمراجعات والاقتباسات والتعليقات، بهوٌ عربي بكل ما فيه، بمجلسه وقهوته وتمره.
الآن يتحفني التطبيق بترشيحات وقوائم مختارة، يجيبون به عن السؤال الأول، وكانوا ينطلقون بإجابات مفترضة، أن الكتب بين يدي لكن العجز يكبِّل والمشتتات تُذهِل، ونسوا السؤال السابق الأهم: ماذا أقرأ؟
قوائم مثرية متجددة مواكبة، وما كنت أتوقع أن أرى يومًا ترشيحات قرائية مزامنة لبطولة العالم في كرة القدم.
الآن يخف لهيب الشعلة فلا أعود أشكو منها حرارة ولا أذى، وأود الاعتراف أني لو كان الأمر إلي لنفخت عليها وأخمدتُها. بماذا تفيدني نارك المنصوبة على القُلَل، لا هي علمٌ للسائرين، ولا هي منارة للضالين، ولا هي موقد للمعتفين.
الآن نصحح تعريف المداومة، بل نتركه لكل قارئ وما شاء، أنا مداوم إذا كنت أحقق هدفي الأسبوعي والدوري، أنا مداوم إذا كنت أحيط نفسي بثلة من الصفوة أستمتع باختياراتهم وأستفيد من مراجعاتهم، أنا مداوم إذا كنت أقرأ كل يوم، ولا أحد يقرر عني كم دقيقة أقرأ، بطَل المذهب الخمسعشري بهتاف الحرية، ومُحِي البهرج المقدس حول تلك الأوراق المصفوفة المغلفة بتجليد، التي نسميها الكتب، اقرأ إن شئت في صحيفة، طالع مقالات ومدونات، تجول حتى في المجلات. اقرأ إن أردت عشرة كتب في نفس الوقت. جمِّد يومين خلال الأسبوع للراحة، كأنك كنت تقرأ كل يوم.
الآن يمكن تجديد الأوبة، جميعنا مرحب بنا مهما أسرفنا على حق الثقافة، كل أسبوع فرصة جديدة للتوبة، منافسة مستأنفة من الصفر بين الأصدقاء، منافسة متعددة المعايير بريئة من السذاجة القديمة، بالدقائق والصفحات والكتب والأيام المتتالية. هذا ديوان العدل المنزه عن إيقاع المظالم أو الإغضاء عنها.
الآن ينسيني التطبيق أنها منافسة، القراءة مشاركة وتعاون وإثراء وتفاعل، والآن تكتمل الدائرة ويتاح التعارف، والآن يعترف بي التطبيق بعد أن كان يغفلني، ويجمع الأشتات بعد طول تفرق، الأصدقاء يحتفون بعودتي كأني لم أكن معهم يومًا، لأن معيار الوجود كان شيئًا واحدًا: أن تسجل جلساتك، وإلا فلست موجودًا.
أحب أن يتاح لي خيار كتم الحسابات، وأن يصلني إشعار إن ردّ أحد على تعليق كتبته.
والمسرفون في الاقتباسات صناديقهم تملأ البهو، حتى ما عدت أجد مجالًا للتحرك. ماذا لو صارت الاقتباسات المتتابعة تعرَض مثل سلسلة منشورات متفرعة؟
وماذا لو صار البهو يوجهني للأشخاص الملائمين، بدل أن أضيع في تلك القاعة الفسيحة؟
والآن تتجاوز جلسة التركيز شاشة التطبيق، وتقفز منها إلى نظام التشغيل، فتعرض لي العداد بالتزامن. وتتعدد وتتحرر من كل الأغلال، المدة مفتوحة إلى خمس دقائق في الحد الأدنى، ومحررة من الالتزام بكتاب، ومتجاوزة لمسألة التركيز. عرفت أشخاصًا -وأنا منهم- كانوا يشغلون العداد في أي وقت من اليوم في غير جلستهم الحقيقية ليقيدوا المجلس، ثم أغنانا التطبيق عن هذا التحايل المزعج.
وفوقها ألبوم إيقاعات صوتية من وحي الطبيعة يساعد على الانغماس، زخات مطر وحفيف أغصان وتعاقب أمواج وحسيس شبّة الموقد.
وتتعالى عن قيد سلك الشبكة، في خط السفر وبين السماء والأرض وفي وسط المفازات وفي غمرة البحار، ما عاد الاتصال بالنت شرطًا للاستخدام.
والآن تخف حدة الصداع وتحفظ العين من الجفاف، كان البياض يخطف ويروع، وحل الليل بالنمط الداكن، حلكة بعد إشراق طويل لليالٍ بيضاء.
والآن يستقبلونني ويحملون كتبي عني، أستصدرها من غدريدز وتصل كاملة بلا نقص ولا فقد.
لكني وددت أن يتاح لي معاينة القائمة كلها بعد أن تصل وأقرر فيها ما أبقي وما أترك وما أعيد تصنيفه، ويتبين لي الأخضر من الأصفر، كل كتاب من أين أتى. والعملية الآن بلا خط رجعة ولا نقطة تحقق. وحبذا لو نقِلت رفوف القوائم معها، اختصارًا لجهد الترتيب المكرر.
وعلى الطريق، أتمنى تحطيم الخزائن بالمعاول، فالشكل الحالي المحاكي غير عملي أبدًا. إلى متى تزكم الأنوفَ رائحةُ الخشب؟
ويعجبني هذا التنوع والتجديد في التحديات، ومثله في الأوسمة، لكني أكره أن تكون مقصورة على تحديات المكاثرة، أنا أسرع أنا أكثر، هذه الدوافع الآدمية يهذبها التحديات الطويلة المتوخية للفائدة المغتنمة للمواسم الفاضلة، ويخفف منها إخفاء بعض الإحصاءات مثل سرعة القراءة، فلسنا في سباق.
وماذا لو كان في الأوسمة وسام بأعلام المؤلفين، بجرد كل مصنفاتهم. ووسام بحسب التصنيفات، جامع الحيوات، ومحب الأيام، وباقعة البلدان.
والحرية قد تطغى فتستحيل فوضى، كلنا نستطيع إضافة كتب جديدة، حتى لو كانت موجودة، والطبعات المتعددة من كتاب واحد تظهر على أنها كتب متفرقة. صحيح أن المساهمة العامة تزيد مكتبة التطبيق اتساعًا، لكن ينبغي تقييدها بالطلب، فلا تظهر إلا بعد مراجعة الورّاقين، ولا يلزم أن يكونوا من فريق التطبيق، فالبرمجيات المعتمدة على المساهمة لديها نظام تصنيف بالرتَب، يصطفى بعض المستخدمين فتكون لهم القدرة على مراجعة مطالب الزيادة والموافقة عليها أو رفضها. أما النسخ المتعددة فتدمَج كلها على أنها كتاب واحد، والمستخدم يختار نسخته من قائمة فرعية.
الشاشة الوحيدة التي إن دخلتها شعرت أنني في تطبيق آخر هي إحصاءات الجلسة، البيانات كأنها جدول إكسل، والمعادلة لا أظن أنها مفيدة، ماذا لو عرفت أن جلسة ساعة تعادل مئة مقطع في تكتوك؟ الأمر يغدو مفهومًا بالعكس، في تطبيقات تتبع الشاشة حين يريني الوقت الذي بددته على الجوال، ويقارنه مع ما كنت لأفعله في نفس المدة. ساعة في صراعات تويتر، كانت تكفي لقراءة خمسين صفحة عكوفًا، أو كانت تكفي لحرق مئات السعرات سعيًا.
واعتدنا أن يكون في التقويم عبارة نقرؤها مع نزع ورقة الأمس، أو نرى الأحداث المهمة بارزة بالعلامات والألوان، وأحسنَ التطبيق في تقدير أهمية التقويم ليظهر سجلًا بالقراءات بمنظور الأيام والأشهر. وحبذا لو اتسع الأمر ليشمل كل الأنشطة بما يناسبها من علامة، ولو نقطة في مربع اليوم.
قافية
أهُمُّ سُلُوًّا عنك ثم تردني
إليك وتثنيني عليك العواطفُ
